فهرس الكتاب
قال عن المشركين: ولا ريب أنهم في الآخرة في عمى وضلال كما كانوا في الدنيا وتواطِنهم خبيثة كما كانت في ال دنيا والعذاب مستمر عليهم دائم ماداموا كذلك ولكن هل هذا الكفر والتكذيب والخبث أمْرٌ ذاتي لهم زواله مستحيل أم هو مر عارض طاريء على الفطّرة قابل للزوال؟ هذا حَرْف المسألة وليس بأيديكم مايدل على استحالة زواله وأنه أمر ذاتي، وقد أخبر سبحانه أنه فطر عباده على الحنيفية وأن الشياطين اجتالتهم عنها فلم يفطرهم سبحانه على الكفر والتكذيب كما فطر الحيوان البهيم على طبيعته وإنما فطرهم على الإقرار بخالقهم ومحبته وتوحيده، فإذا كان هذا الحق الذي فطُروا عليه وخُلقوا عليه قد أمكن زواله بالكفر والشرك الباطل فإمكان زوال الكفر والشرك الباطل بضده من الحق أولى وأحرى ولا ريب أنهم لَوْ رُدّوا على تلك الحال التي هم عليها لعادوا لما نُهوا عنه ولكن من أين لكم أن تلك الحال لاتزول ولا تتبدل بنشأة أخرى ينشئهم فيها تبارك وتعالى إذا أخذت النار مَأْخَذها منهم وحصلت الحكمة المطلوبة من عذابهم فإن العذاب لم يكن سُدى وإنما كان لحكمة مطلوبة فإذا حصلت تلك الحكمة لم يبق في التعذيب أمر يُطلب ولا غرض يُقصد، والله سبحانه ليس يشْتَفي بعذاب عباده كما يشتفي المظلوم من ظالمه، وهو لايعذب عبده لهذا الغرض، وإنما يعذبه طُهْرة له ورحمة به فعذابه مصلحة وإن تألم به غاية الألم كما أن عذابه بالحدود في الدنيا مصلحة لأربابها.
وقد سمى الله سبحانه الحد عذابا [1] ، وقد اقتضت حكمته سبحانه أن جعل لكل داء دواء يناسبه ودواء الداء العضال يكون من أشق الأدوية .. إلى آخر كلامه رحمه الله.
إذا فهمت هذا تبين لك أن كلام ابن القيم لايتناقض كما يضرب بعضهم كلامه ببعض لِيُورهم التناقض والتعارض.
كلام مُنْصِف في هذه المسألة
(1) قال تعالى في حَدّ الزناة: {وليشهدوا عذابهما طائفة من المؤمني} فسماه عذابًا.