فهرس الكتاب
يوضح هذا المعنى أنه كتب على نفسه الرحمة ولم يكتب عليها الغضب وسبقت رحمته غضبه وغلبته ولم يسبقها الغضب ولا غلبها ووسعت رحمته كل شيء ولم يسع غضبه وعقابه كل شيء، وخلق الخلق ليرحمهم لا ليعاقبهم، والعفو أحب إليه من الانتقام، والفضل أحب إليه من العدل، والرحمة آثر عنده من العقوبة، ولهذا لايخلد في النار من في قلبه أدنى مثقال ذرة من خير، وجعل جانب العدل السيئة فيه بمثلها وهي معرضة للزوال بأيسر شيء وكل هذا ينفي أن يخلق خلقًا لمجرد عذابه السرمدي الذي لا انتهاء له ولا انقضاء لا لحكمة مطلوبة إلا لمجرد التعذيب والألم الزائد على الحد، فما قدر الله حق قدره من نسب إليه ذلك، بخلاف ما إذا خلقهم ليرحمهم ويحسن إليهم وينعم عليهم فاكتسبوا ما أغضبه وأسخطه فأصابهم من عذابه وعقوبته بحسب ذلك العارض الذي اكتسبوا، ثم اضمحل سبب العقوبة وزال وعاد مقتضى الرحمة، فهذا هو الذي يليق برحمة أرحم الراحمين وحكمة أحكم الحاكمين.
ومما يبين هذا أن الجنة من لم يعمل خير قط، ويدخلها من ينشئه الله تعالى فيها، ويدخلها من دخل النار أولا، ويدخلها الأبناء بعمل الآباء، وأما النار فذلك كله منتف فيها ولا يدخلها من لم يعمل شرا قط، ولا ينشيء الله تعالى فيها خلقا يعذبهم من غير جرم، ولا يدخلها من يدخل الجنة أولا، ولا يدخلها الذرية بكفر الآباء وعملهم، وهذا يدل على أنها خلقت لمصلحة من دخلها لتذيب فضلاته وأوساخه وأدرانه وتطهير من خبثه ونجاسته، كالكير الذي يخرج خبث الجواهر المنتفع بها ولمصحلة من يدخلها ليردعه ذكرها والخبر عنها عن ظلمه وغيه، فليست الداران عند الله سواء في الأسباب والغايات والحكم والمصالح.