فهرس الكتاب
يوضح ذلك: أن الله تعالى لا يعذب أحدًا إلى لحكمة ولا يضع عذابه إلا في المحل الذي يليق به، كما اقتضى شرعه العقوبات الدنيوية بالحاود التي أمر بإقامتها لما فيها من المصالح والحكم في حق صاحبها وغيره، وكذلك مايقدره من المصائب والآلام، فيها من الحكم مالا يحصيه إلا الله من تزكية النفوس وتطهيرها والردع والزجر، وتعريف قدر العاقبة وامتحان الخلق ليظهر من يعبده على السراء والضراء ممن يعبده على حرف، إلى إضعاف أضعاف ذلك من الحكم، وكيف يخلو أعظم العقوبات عن حكمة ومصلحة ورحمة أن مصدرها عن تقدير أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، والجنة طيبة لايدخلها إلا طيب، ولهذا يدخل النار من أهل التوحيد من فيه خبث وشر حتى يتطهر فيها ويطيب، ومن كان فيه دون ذلك حبس على قنطرة بين الجنة والنار، حتى إذا هذِّب ونقي أذن له في الدخول، ومعلوم أن النفوس الشريرة الظالمة المظلمة الأثيمة لاتصلح لتلك الدار التي هي دار الطيبين، ولو ردت إلى الدنيا قبل العذاب لعادت لما نهيت عنه لا تصلح لدار السلام التي سلمت من كل عيب وآفة، فاقتضت الحكمة تعذيب هذه النفوس عذابا يطهر نفوسهم من ذلك الشر والخبث ويكون مصلحة لهم رحمة بهم ذلك العذاب وهذا معقول في الحكمة أما خلق نفوس لمجرد العذاب سرمدي لا لحكمة ولا لمصلحة فتأياه حكمة أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين.