والقائلون بالتدرج بعد إكمال الدين؛ يريدون أن يتخيروا، إذ لا معنى للتدرج إلا التخير بين فعل أو ترك ما أمرنا به أو نهينا عنه، ومن ترك ما أمر به أو فعل ما نهي عنه فقد عصى وضل، فكلمتا"مؤمن"و"مؤمنة"نكرتان مسبوقتان بنفي فأفادتا العموم، ولفظ"أمرًا"لفظ مطلق لم يقيد، ولفظ"أمرهم"نكرة مضافة وهي تفيد العموم ولم يرد ما يخصص هذا العموم.
فنحن مكلفون بالتقيد بكل ما قضى الله ورسوله في أمرنا.
والمتدرج متخير، والمتخير عاص في بعض أمره فيشمله الذم.
-وقوله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} .
فهذا طلب جازم من الله سبحانه لرسوله وللحكام من بعده أن يحكموا بجميع ما أنزل الله من أحكام، لأن"ما"من ألفاظ العموم؛ ولم يكتف سبحانه بذلك بل نهى عن اتباع أهواء الناس فقال: {ولا تتبع أهواءهم} ، ثم حذره وتحذيره تحذير للحكام من بعده من الافتتان عن بعض ما أنزل الله، والتدرج يستوجب افتتانًا عن بعض ما أنزل الله، لا معنى له غير هذا.
وقوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ، وفي آية ثانية: {فأولئك هم الظالمون} ، وفي ثالثة: {فأولئك هم الفاسقون} .
ولفظ"ما"في الآيات الثلاث من ألفاظ العموم، فتشمل جميع ما أنزل الله.
والذي يدعو إلى التدرج؛ يدعو إلى ترك بعض الأحكام في بعض الأحوال، فينطبق عليه ما يلائم وضعه من الأوصاف الثلاثة حسب التفصيل المعروف.
وأما السنة:
-فما أخرجه ابن ماجة بإسناد رجاله ثقات، عن عبد الله بن عمر قال: (أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن ... وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل بأسهم بينهم) .
وهذا نص في المسألة، ينهى نهيًا جازمًا عن التخير مما أنزل الله، والتدرج هو عين التخير، فيكون منهيًا عنه نهيًا جازمًا.