ومن السنة أيضًا ما أخرجه أحمد بإسناد رجاله ثقات عن السدوسي - يعني ابن الخصاصية -قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم لأبايعه) ، قال: (فاشترط علي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وأن أقيم الصلاة وأن أودي الزكاة، وإن أحج حجة الإسلام وأن أصوم شهر رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله، فقلت: يا رسول الله، أما اثنتان فوالله ما أطيقهما، الجهاد والصدقة، فإنهم زعموا أن من ولّى الدبر فقد باء بغضب من الله، فأخاف إن حضرت تلك جشعت نفسي وكرهت الموت، والصدقة فوالله ما لي إلا غنيمة وعشر ذود، هن رسل أهلي وحمولتهم، قال فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، ثم حرك يده، ثم قال: فلا جهاد ولا صدقة، فبم تدخل الجنة إذًا؟! قلت: يا رسول الله، أنا أبايعك) ، قال: (فبايعت عليهن كلهن) .
فهذا نص؛ في أنه صلى الله عليه وسلم لم يقبل من ابن الخصاصية أن يترك الجهاد والصدقة، وهو يعارض حديثي جابر وعثمان بن أبي العاص في وفد ثقيف، كما سيأتي.
-ومن السنة أيضًا ما جاء في حديث عبادة الذي أخرجه مسلم: (وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان) .
يعني؛ أن ننازع الأمر أهله وننابذهم إذا رأينا الكفر البواح الذي عندنا فيه من الله برهان، والذي يدعو إلى التدرج؛ يدعو إلى الخلط بين ما هو من الإسلام وما هو من غيره، أي الخلط بين الإسلام والكفر، ولو في وقت ما، فإن جاء حاكم مسلم وزعم أنه يحكم بالإسلام ثم خلط به الكفر البواح الذي عندنا فيه من الله برهان؛ وجبت منابذته.
-ومن السنة ما رواه ابن القيم في"زاد المعاد": (فقال كنانة بن عبد ياليل: هل أنت مقاضينا حتى نرجع إلى قومنا؟ قال: نعم، إن أنتم أقررتم بالإسلام أقاضيكم، وإلا فلا قضية ولا صلح بيني وبينكم، قال: أفرأيت الزنا فإنا قوم نعتزب ولا بد لنا منه؟ قال: هو عليكم حرام، فإن الله يقول: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلًا} ، قالوا: أفرأيت الربا فإنه أموالنا كلها؟ قال: لكم رؤوس أموالكم، إن الله تعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} ، قالوا: أفرأيت الخمر، فإنه عصير أرضنا لا بد لنا منها؟ قال: إن الله قد حرمها، وقرأ: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} ، فارتفع القوم فخلا بعضهم ببعض، فقالوا: ويحكم إنا نخاف إن خالفناه يومًا كيوم مكة، انطلقوا نكاتبه على ما سألناه. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: نعم لك ما سألت، أرأيت الربّة ماذا نصنع بها؟ قال: اهدموها، قالوا: هيهات، لو تعلم الربة أنك تريد هدمها لقتلت أهلها ... فقال عمر بن الخطاب: ويحك يا ابن عبد ياليل ما أجهلك! إنما الربة حجر، فقالوا: إنا لم نأتك يا ابن الخطاب، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: تولّ أنت هدمها، فأما نحن فإنا لا نهدمها أبدًا، قال: سأبعث إليكم من يكفيكم هدمها، فكاتبوه) .