الصفحة 16 من 19

تفسير قوله تعالى:

(اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) سورة براءة.

قال رحمه الله تعالى:"ذكر الله جل وعلا في هذه الآيات الكريمات من سورة براءة ما جرى من اليهود والنصارى. فعد منها أنهم نسبوا له الأولاد وأتبع ذلك بقوله (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) كيف يصرفون عن الحق مع وضوحه ويدّعون للواحد الآحد الذي لم يلد ولم يولد، يدّعون له الأولاد فيقولون عزير ابن الله مسيح ابن الله سبحانه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا ثم ذكر في معائبهم وإجرامهم بلايا أخر فقال (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ) أي واتخذوا المسيح ابن مريم ربًا من دون الله هذه الآية جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسرها لعدي بن حاتم رضي الله عنه لما سأله عنها فقد أخرج الترمذي وغيره عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقه صليب من ذهب فقال له صلى الله عليه وسلم أخرج هذا الوثن من عنقك وسمعه يقرأ (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) ، وكان عدي في الجاهلية نصرانيًا فقال عدي ما كنا نعبدهم من دون الله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ألم يحرموا عليكم ما أحل الله ويحلوا لكم ما حرم الله فتتبعوهم قال: بلى قال فذلك عبادتهم وهو معنى اتخاذهم أربابًا وهذا التفسير النبوي يقتضي أن كل من يتبع مشرعًا بما أحل وحرم مخالفًا لتشريع الله أنه عابد له متخذه ربًا مشرك به كافر بالله هو تفسير صحيح لا شك في صحته والآيات القرآنية الشاهدة لصحته لا تكاد تحصيها في المصحف الكريم وسنبين إن شاء الله طرفًا من ذلك."

اعلموا أيها الإخوان: أن الإشراك بالله في حكمه والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد لا فرق بينهما البته فالذي يتبع نظامًا غير نظام الله وتشريعًا غير تشريع الله (أو غير ما شرعه الله) وقانونًا مخالفًا لشرع الله من وضع البشر معرضًا عن نور السماء الذي أنزله الله على لسان رسوله ...

من كان يفعل هذا هو ومن كان يعبد الصنم ويسجد للوثن لا فرق بينهما البته بوجه من الوجوه فهما واحد كلاهما مشرك بالله. هذا أشرك به في عبادته وهذا أشرك به في حكمه كلهما سواء وقد قال الله جل وعلا في الإشراك به في عبادته (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) .

وقال تعالى في الإشراك في حكمه أيضًا (لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) .

وفي قراؤة ابن عامر من السبعة (وَلا تُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) بصيغة النهي فكلاهما إشراك بالله ولهذا بين النبي صلى الله عليهم لعدي بن حاتم أنهم لما أتبعوا نظامهم في التحليل والتحريم وشرعهم المخالف لشرع الله كانوا عبدة لهم متخذيهم أريابًا والآيات القرآنية في المصحف الكريم المصرحة بهذا المعنى لا تكاد تحصيها ومن أصرحها المناظرة التي وقعت بين حزب الرحمن وحزب الشيطان يقولون إن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت