انتهى ما أردنا نقله للقراء من كلام الشيخ: محمد الغزالي هاهنا، وقال أيضا في كتابه المذكور صفحة 347 ما نصه:
الهدم الروحي:
يجتهد الاستعمار في صرف المسلمين عن دينهم بكل ما يتاح له من وسائل، وفي جعل حركات التحرر الناشطة في بلادهم مبتوتة العلاقة بالدين، حتى تولد ميتة، أو تحيا عقيمة لا ثمر لها ولا زهر. وما من نهضة في الأولين والآخرين إلا ولها دعامة معنوية تقوم عليها، وسناد روحي تتحرك به. ولما كان عمل الدين في هذه الحالة ملأ القلوب بالضمائر الحية، وبنى الأخلاق على الفضيلة، وصبغ الحياة بتقاليد جامعة ومعلومة وواضحة، ورص الصفوف على إحساس مشترك، ودفعها إلى مصير واحد، فإن الاستعمار استهدف إقصاء الدين عن آفاق البلاد كلها، وتكوين أجيال غريبة عنه، إن لم تكن كارهة له. . بل إن ذكر الإسلام أصبح محظورا في المناسبات الجادة والشئون الهامة، وقد يحوم البعض حوله ولكنه يوجل من التصريح به، كأن الإسلام مجرم ارتكب ذنبا ثم فر من القضاء الذي حكم بعقوبته فهو لا يستطيع الظهور في المجتمعات، وربما تلوح له فرصة الظهور متنكرا تحت اسم مستعار فيتحرك قليلا هنا وهناك، حتى إذا أحس انكشاف أمره استخفى من الأنظار، يا عجبا، لماذا يلقى الإسلام هذا الهوان كله؟ والجواب: عند الاستعمار الذي يجر خلفه ضغائن القرون الأولى ويضع نصب عينه ألا تقوم للإسلام قائمة في بلاده، فهو حريص على خنقه في ميدان التربية والمعاملات والتشريع وسائر ألوان الحياة.
إنه يطمئن إلى مجتمع واحد، المجتمع الذي مات ضميره والذي تفسخت أخلاقه، في هذا المجتمع الذي غاصت منه معاني الفضل واستغلظت فيه غرائز الشره وزحفت فيه ثعابين الأثرة، يستطيع الاستعمار أن يطمئن إلى يومه وغده، فإذا جاء الإسلام لمسح هذه الأقذار، طلب منه على عجل أن يعود إلى وكره ليخفى عن الأعين. . إنه اسم لا ينبغي أن يذكر وحقيقة لا يجوز أن تعيش.
هكذا حكم الاستعمار، حتى قيض الله لنا فكرة العروبة عنوانا نستطيع تحته أن ندفع غوائل الموت. وقد هششنا للفكرة، ورجونا من ورائها الخير. . وللعروبة المجردة مثل تعكر على الاستعمار مآربه. . إن التعليم في ظل الاحتلال الأجنبي أوجد أناسا تحركهم الشهوات وحدها، أناسا فرغت عواطف اليقين من أفئدتهم فهي هواء، فإذا جاءت إليهم العروبة فهل يعرفون أن العفة من خلائقها، وأن تقديس العرض من شمائلها، وأن المحافظة على الحريم من صفاتها الباطنة والظاهرة. . إن أمثال العرب في الجاهلية تشهد بما لهم من غيرة على نسائهم، فالمثل القائل: (كل ذات صدار خالة) يعني: أن العرب يجعلون في حكم الخالة كل من تلبس ثياب المرأة، فما ينظرون إليها إلا نظرة الاحترام والعفة، وذلك أن الخالة بمنزلة الأم، ويقول الشاعر:
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي مثواها (البيت لعنترة) ويقول الآخر:
ولا ألقي لذي الودعات سوطي ... أداعبه، وريبته أريد. . .!) البيت لعلقمة بن علقمة المري (