الصفحة 33 من 56

يعني: أنه يداعب طفلا مع أمها ابتغاء إثم بالأم نفسها. فهل هذه الشوارع الغاصة بمتتبعي العورات وبغاة الدنية شوارع عربية؟ وهل عرب أولئك الذين ترى الواحد منهم يتأبط ذراع فتاة متبرجة لعوب تسير في وضع يقول لكل ناظر (هيت لك) ؟ والعرب الأقدمون كانوا أصحاب كرم غريب وإيثار لامع ونهوض بالحق على عض الزمن وشدة الحاجة، واسمع قول عروة بن الورد:

وإني امرؤ عافى إنائي شركة ... وأنت امرؤ عافى إنائك واحد

أتهزأ مني أن سمنت وأن ترى ... بوجهي شحوب الحق والحق جاهد

أفرق جسمي في جسوم كثيرة ... وأحسو قراح الماء والماء بارد

أرأيت صورة الإنسان النبيل، يؤثر غيره بالطعام ويستعيض برشحات من الماء البارد يصفر بها وجهه وهو يأبى تضييع من نزلوا به، وحسبه أنه فرق جسمه في جسوم كثيرة.

احتفظ بهذه الصورة، ثم سل نفسك: أمدن عربية هذه التي تراها مزدحمة بأصحاب الفضول من المال النامي، ومع ذلك فقلما تؤوي يتيما، أو تغذو محروما. وما لنا نبحث عن الشمائل العربية المفقودة في بيئات مسخها الاستعمار وترك عليها طابع الحيوانية والتقطع، إنك ترى الواحد من أولئك يقول إنه عربي ولغة العرب لا تستقيم على فمه. ومن أعاجيب الليالي أن أسمع المذيع مثلا يقول: يا أخي المواطن، أحنا بنعمل إيه في هذه الأيام. وكان يستطيع أن يقول ما نعمل في هذه الأيام، ولكنه حريص على تخليد لغة الرعاع والتنكر للغة الفصحى وهي اللغة التي ترسل بها الإذاعات من جميع محطات العالم لمستمعيها على اختلاف ألسنتهم إذ أنه يخاطب المذيع قومه في أي عاصمة بلغة غير الفصحى، فهل من مظاهر الوفاء لعروبتنا أن نذيع نحن بلغة الرعاع؟

الواقع: أن الإسلام وحده هو الذي يخلد العروبة لغة وأدبا وخلقا، وأن التنكر لهذا الدين معناه القضاء الحقيقي على العروبة في لغتها وأدبها وخلقها، ولذلك يجب على الدعاة أن يستميتوا في إبراز هذا الاسم بقدر ما يستميت الاستعمار في إخفائه، وأن يذهبوا عنه الوحشة التي صنعها أعداؤه حوله، حتى يصبح مألوفا في الآذان، محببا إلى القلوب، وإظهار هذا الاسم لا يكفي، فما قيمة شكل لا جوهر له. يجب على الدعاة أن يجمعوا الجماهير على تعاليمه"وأن ينعشوا أنفسهم بروحه."

الضمير الديني الخاشي لله، الرحيم بخلقه، المحتفي بالواجبات، النفور من الرذائل، الشجاع في نصرة الحق، المستعد للقاء الله، المتأسي بصاحب الرسالة، هذا الضمير، يجب أن ندعمه بل أن نوجده في كل طائفة، وأن يربط به إنجاز كل عمل ونجاح كل مشروع، ومنع كل تفريط، وصيانة كل حق، فالإسلام قبل كل شيء قلب كبير، قلب موصول بالله، يبادر لمرضاته ويتقيه حيث كان، وهذا القلب لا يتكون من تلقاء نفسه، ويستحيل أن يتكون بداهة وسط تيارات الشكوك والتجهيل التي تسلط عليه عمدا ليتوقف ويزيغ، إنه يتكون بأغذية روحية منظمة، تقدم له في برامج التعليم، وفي عظات المساجد، وفي صبغ البيئة بمعان معينة، تساعد على احترام الفضيلة وإشاعتها، ونحن أحوج ما نكون لإنشاء هذه الضمائر في الذراري المحدثة التي عريت عنها، والطبقات الكثيفة التي مردت على العبث والاستخفاف بجميع القيم، وإنني أستغرب كيف نشتري آلة ما بأغلى الأسعار، ثم نوقف أمامها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت