الصفحة 43 من 56

مما نصّ عليه في الكتاب والسنة، ومما تدل عليه الدلائل، فإنه على اليقين ممن يدخل في هذا الحديث، قد أمر بمعصية القوانين التي يرى أنه عليه واجبًا أن يطيعها أمرته بمعصية، بل بما هو أشد من المعصية، أن يخالف كتاب الله وسنة رسوله فلا سمع ولا طاعة، فإن سمع وأطاع كان عليه من الوزر ما كان على آمره الذي وضع هذه القوانين وكان كمثله سواء.

(3) - مما سبق علمت شرعًا وحالًا أن هذا المجلس قائم على الشرك الواضح المتبالغ، والشرك ضلال مبين، وذنب عظيم لا يغفره الله أبدًا إلا بالتوبة والإيمان، وصاحبه مخلد في النار، لذا كان تحذير الشرع منه أبلغ تحذير: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ) في تفسير البيضاوي:"كما تجتنب الأنجاس، وهو غاية المبالغة في النهى عن تعظيمها، والتنفير عن عبادتها"، (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ) تفسير البيضاوي:"بعدني وإياهم، واجعلنا منها في جانب"ابن كثير:"على الإنسان أن يدعو لبنيه ذلك" (بمعناه) .

(وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ) تفسير البيضاوي: وضع فيه الظاهر موضع ضمير (الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ) للدلالة على مبدأ اجتنابهم وأنهم نقاد في الدين يميزون بين الحق والباطل، ويؤثرون الأفضل فالأفضل (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ... ) الآية: العقول السليمة عن منازعة الوهم والعادة، وفي ذلك دلالة على أن الهداية تحصل بفضل الله، وقبول النفس لها. ا. هـ

(أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) فعبر تعالى بلفظ الاجتناب للطاغوت، والاجتناب: المبالغة في الابتعاد والتوقي والاحتراز، لذا شدد الشرع وعظم في سدّ ذرائع الشرك، كالبناء على قبور الصالحين، وتعظيمهم، وحتى الشرك القولي منه كالحلف ...

فإذا اعتقدت هذه الأصول علمت أن الأصل في هذه المجالس الشركية هو الاجتناب والابتعاد والحظر بل ما هو أكثر من ذلك كما سترى بإذن الله تعالى.

* ولا يقال في هذه الحالة أن الأصل في الأمور المباحة، فإنه وإن كانت هذه القاعدة صحيحة فإن بعض الأمور الأصل فيها الحظر والمنع (مما ذكره العلماء في هذه الأمور -التي أصلها الحظر- الفروج، أي أنه لا يباح للرجل أن يطأ أي امرأة، بل يحظر عليه ذلك حتى تكون شروط النكاح من تجنب ذوات المحارم، واعتبار عدد الزوجات، والولي، والشهود، وكذا الأصل في أخذ أموال الغير الحظر الا أن تكون هبة أو قضاء دين ... ) فإذا كان هذا المجلس التشريعي مؤسس على الإشراك بالله تعالى، وأن شروط عضوه عندهم أن يلتزم بالدستور، بل ويستحلف على ذلك، أي يحلف على أن يكون مطيعًا للدستور الذي أوضحنا أنه أصل من أصول الكفر، وطاعته بذلك تكون كفرًا، يقول الصنعاني في رسالة تطهير الاعتقاد:"وقد خرج الفقهاء في كتب الردة أن من قال كلمة الكفر يكفر وإن لم يقصد مدلولها"، ولا يقال أنه يعرض في ذلك، فإنه ليس يمينًا مطلقًا، وفي صحيح مسلم:"اليمين على نية المستحلف"ولم يأت ما يخصصه، ويستثنى من ذلك حالة الإكراه (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) ولم يستثن العلماء غير حالة الإكراه، وفسروه بالتهديد والضرب والأذى لحمله على قول الشيء، وليست حالتنا هذه إكراه أبدًا كما هو معلوم، ثم في هذا تلبيس على أعضاء المجلس ورؤسائه بالحلف أمامهم على طاعة الدستور، وفيه إقرار الشرك أمامهم، بينما الدعوة إلى التوحيد، بل القيام به يخالف ذلك، يعرف ذلك من في قلبه التوحيد الحق، فبكل هذا الذي سقناه علمنا أن هذا المجلس أصل من أصول الكفر، يقول الشنقيطي في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت