الصفحة 44 من 56

الرد على الصاوي في مسألة التقليد:"وأصول الكفر يجب على كل مسلم أنه يحذر منها كل الحذر، ويتباعد منها كل التباعد، ويتجنب أسبابها كل الاجتناب".

(4) - ونود أن نفرق في الحديث هنا بين أمرين اختلطا على البعض في هذه القضية، ذلك أن تولي الأعمال والوظائف التنفيذية من الكافر [وإن كان الصواب عدم تولي مثل ذلك] يختلف في أصله عن المجالس التشريعية التي نتكلم فيها، فهذه الوظائف جعل العلماء لها تفضيلًا سنذكره إن شاء الله تعالى.

أما هذا المجلس فباطل بأصله ولوازمه، ومعقل من معاقل الوثنية والشرك، لصفته اللازمة له وهي التشريع من دون الله عز وجل، ونعرض في هذه إلى المسألة الأولى وهي الوظائف، والتي يحتج فيها بقصة يوسف عليه السلام، والصواب الذي لا يتسع المجال لتفصيله هنا هو أن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا إلا بدليل من شرعنا، فقد نسخ شرعنا ما قبله من الشرائع، أما أصل الشرائع وهو التوحيد فهذا دعوة الرسل جميعًا (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) ، (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ ... ) ، ولكن نذكر هنا أقوال العلماء المجيزين لمثل هذه المسألة، في تفسير قوله تعالى: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) وقد ورد في التفسير كـ"الدر المنثور"للسيوطي عن مجاهد قال:"أسلم الملك الذي كان مع يوسف عليه السلام"وعن ابن زيد:"كان لفرعون خزائن كثيرة غير الطعام، فأسلم سلطانه كله له، وجعل القضاء إليه، أمره وقضاؤه نافذ"، وقيل:"كان الملك يصدر عن رأيه، ولا يعترض عليه في كل رأي، فكان كالتابع له"،"وأن يوسف عليه السلام باع في السنين التي حكمها حتى ملك أموال مصر، وسبى أهلها، ثم أطلقهم"وذلك في تفسير الآلوسي.

تبين من ذلك أن يوسف عليه السلام كان تام التصرف بشرع الله وحكمه لا بحكم الملك، ولا يجبره أحد على حكم الكفر، كيف وهو يقول لصاحبيه في السجن (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ) ويقول: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ... ) ، وينفي عنه سبحانه وتعالى ذلك فيقول تعالى (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَاخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللّهُ) فحكم عليه السلام على أخيه بحكم يعقوب عليه السلام، وأنطق الله إخوته بذلك، وكان حكم الملك مخالفًا، وهذا هو الصواب في تفسير الآية، سواء كان الاستثناء في قوله تعالى (إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللّهُ) استثناء متصلًا أو منقطعًا، وتفصيل هذا ليس موضعه هنا، ولكن المقصود أن يوسف عليه السلام كان تام التصرف، حاكمًا بشرع الله وحكمه، يقول ابن عباس: دين الملك، أي سلطانه، وعن ابن عيسى: أي عادته، وعن مجاهد: أي حكمه، وعند القاسمي:"أي ما صح له أن يأخذ أخاه في قضاء الملك، ويستدل به على جواز تسمية قوانين الكفر دينًا لها"ا. هـ

فمن نسب بعد هذا البيان إلى نبي من أنبياء الله تعالى الحكم بقانون الكفر فقد كفر، نعوذ بالله تعالى من الخذلان، كيف والله تعالى يقول: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ) فكيف يطيع الرسول أحكام الكفر، سبحانك هذا بهتان عظيم.

(5) - أما ما استفاده العلماء من جهة تولي الأعمال، فيقول القرطبي: قال بعض أهل العلم في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل [يقوم بمنصب] للرجل الفاجر، والسلطان الكافر، بشرط أن يعلم أنه يفوِّض إليه في فعل لا يعارضه فيه فيصلح منه ما شاء، وأما إذا كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره، فلا يجوز ذلك، وقال قوم: إن هذا كان ليوسف خاصة، وهذا اليوم غير جائز، والأول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت