فهو أيضًا كذب صريح، وذلك لأن الأحكام التي أنزلها الله في القرآن الكريم لم تقتصر على أحكام الصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها من الأحكام التي ليس لها علاقة مباشرة بالحياة، بل هي أحكام شاملة كاملة أنزلها الله تعالى لمعالجة كل مسائل الحياة وقضاياها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والأمنية والتربوية وغيرها، فالذي يريد أن يقر لله بالسيادة والحكم والتشريع لا بد وأن يقر له بذلك في كل الأمر، لا في بعضه، وإلا كان كافرًا، يقول تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 85 - 86] .
وقد يدعي بعض مشايخ الطواغيت الذين أبوا على أنفسهم إلا أن تشارك في محاربة الله محاربة أشد من محاربة العلمانيين المجاهرين بعلمانيتهم وادعائهم؛ أن الحكم لهم لا لله، وذلك لأن هؤلاء المشايخ يضفون بدخولهم في المجالس التشريعية على القول؛ بأن"الحكم ليس لله"صبغة شرعية، فيتوهم الناس بدخولهم ومشاركتهم أن الله شرع ذلك وأيده - أي أيد أن يكون الحكم لبعض خلقه معه - وهذا هو أعظم العداء، وهذه هي أشد الحرب والمحادة لله تعالى.
وقد يدعي أيضًا هؤلاء المشايخ ادعاء أشنع من سابقه، يزورون به الحقائق ويحرفون الكلم عن مواضعه، قد يدعون؛ أن المجلس التشريعي لا يشرع أعضاؤه شرعًا غير شرع الله، بل يتشاورون في قضايا المسلمين للخروج بحكم لا يتعارض مع حكم الله تعالى.
والحقيقة؛ أن هذا الادعاء لا يدل إلا على سخف أولئك المتزيين بزي العلماء المتقمصين ثوب المسلمين، بل وعلى استهزائهم بالله تعالى وبدينه الحنيف، فمن الذي يستشير؟! ومن الذي يُستشار؟! وما القضايا التي يستشار فيها؟! وما الهدف من الاستشارة؟! لو عرفوا إجابات هذه الأسئلة أو التزموا بها لما اجترءوا على ادعائهم الكاذب.
فالذي يستشير هو إمام المسلمين المؤمن بالله وبأن الحكم له وحده، لا الذي يدعي ويزعم أن الحكم له في أمور الحياة لا لله، الطاغوت - أي أعضاء المجالس التشريعية ورؤساء الدول العلمانية -
والذي يُستشار هم علماء المسلمين الأكفاء الأمناء، ولا يستشار العلمانيون ولا الشيوعيون ولا النصارى المؤلهون أنفسهم مع الله، المدعون أنهم المشرعون وأن شرعهم هو الحق، يقول الله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] ، ويقول: وَأَمْرُهُمْ شُورَى