وبذلك كله تفتقد النعمة العظمى التي جعل الله بها الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورًا، وبذلك أيضًا تُفتقد القشعريرة في استشعار نعمة الله - تعالى -علينا في تعاقب الأجدَّين وهما الليل والنهار، كما في قوله - تعالى:"قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَاهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء أَفَلاَ تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلَاهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" [القصص: 71-73] .
عباد الله، ومن الممارسات الخاطئة في العطل تلكم العادات الممقوتة والرتابة المتكررة والتي تشرئب لها نفوس الكثيرين لا سيما في الأوساط النسائية ألا وهي مناسبات الأفراح وما أدراكم ما هي، والتي يُجلب عليها بالخيل والرجل والأموال والأولاد، اعدادات مكثفة وتشبث بكل أنواع التّهيؤ لتلك الأفراح، إسراف وتبذير يكتنف جُملة من الأفراح إلا ما رحم الله، إسراف في أماكن الأفراح، مغالاة في أجرتها وتباهٍ في جودتها، تسوُّقٌ وتسوق وتسوق مشوب بتبرج وسفور، كل ذلك سابق لجميع هذه المناسبات، تفاخر في الملبس، وتكاثر في المأكل والمشرب، ناهيكم عن غلاء المهور الذي أودى بكثير من الناس إلى الازدواجية في الحياة، فثلة من الناس يعيشون وكأنهم في عصر مضى، وثلة أخرى منهم كأنها تعيش في عصر لم يأت بعد. فكيف إذًا يلتقي الزوجان وبينهما عصر مديد؟! الشاب يعيش كفافًا، وأهل بعض الفتيات يعيشون إسرافًا، الشاب يريد الزواج وبعض أرباب الفتيات يريدون الفخر والمباهاة. جاء رجل إلى النبي فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار، فقال له النبي: (( على كم تزوجتها؟ ) )قال: على أربع أواق، يعني مائة وستين درهما، فقال له النبي: (( على أربع أواق؟! كأنما ينحتون الفضة من عرض هذا الجبل، ما عندنا ما نعطيك ) )الحديث رواه مسلم [3] .
وثمتَ ممارسات أخرى خاطئة تفتح مصْراعيها إبان تلكم العطل الصيفية والإجازات السنوية، فها هي جملة من القنوات الفضائية تُعد للعطل عدتها، وتتأهب تأهّب الجند في منازلة العدو، تنافس في العروض، بذلٌ لصور الإغراء والافتتان، مشاهدُ تئِد الحياة وتبرز القحة، بثٌّ مكثف لما ينقض عرى تلك الأخلاق والسمات الحميدة التي قد يتلقاها الدارسون طوال العام الدراسي، فتكون تلكم القنوات معاول هدم ماضية تفتت ما بقي من الصخر الصلد في النفوس، برامج مطلقة لا تحكمها رقابة الواعين ولا ضمائر ذوي الغيرة والإدراك للزين والشين، تجتث آثارها جذور المجتمع من أصولها شعرنا بذلك جميعًا أم لم نشعر، بل يبث من خلالها ما يكون من دواعي الإخلال بالأمن سواء كان أمنًا حسيًا أو أمنًا فكريًا؛ إذ تتحكم اللصوصية على أرض الواقع.