وقال أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه: ما أسرّ أحد سريرة إلا أظهرها الله على وجهه وفلتات لسانه.
وأشير إلى مسألة مهمة، وهي: أن النفاق موجود وواقع، خلافًا لمن أنكره من طوائف المرجئة، فقد زعم صنف من المرجئة أنه ليس في هذه الأمة نفاق [1] .
قيل للحسن البصري: إن قومًا يزعمون أن لا نفاق، ولا يخافون النفاق، فقال الحسن: والله لأن أكون أعلم أني بريء من النفاق أحبّ إليّ من طلاع (ملء) الأرض ذهبًا [2] .
وقال سفيان الثوري: خلاف ما بيننا وبين المرجئة ثلاثة، .. وذكر منها: نحن نقول: النفاق، وهم يقولون: لا نفاق [3] .
وحمل أولئك المرجئة حديث عبد الله بن عمرو: (( أربع من كن فيه كان منافقًا ... ) )على المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، حيث تلبسوا بهذه الخصال الأربع [4] .
وليس لهم أن يحتجوا بما أخرجه البخاري عن حذيفة (رضي الله عنه) ، حيث قال: (إنما كان النفاق على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان) .
حيث قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (والذي يظهر: أن حذيفة لم يرد نفي الوقوع، وإنما أراد نفي اتفاق الحكم؛ لأن النفاق إظهار الإيمان وإخفاء الكفر، ووجود ذلك ممكن في كل عصر، وإنما اختلف الحكم؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يتألفهم ويقبل ما أظهروه من الإسلام ولو ظهر منهم احتمال خلافه، وأما بعده: فمن أظهر شيئًا فإنه يؤاخذ به ولا يترك لمصلحة التآلف لعدم الاحتياج إلى ذلك) [5] .
وبالإضافة إلى ذلك: فقد نصّ حذيفة على وقوع النفاق بعد عهد النبوة في عدة أقوال، ومن ذلك قوله رضي الله عنه: (المنافقون الذين فيكم شرّ من المنافقين الذين كانوا على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم-، فقيل له: وكيف ذاك؟، فقال: إن أولئك كانوا يسرون نفاقهم، وإن هؤلاء يعلنون) [6] .
وجاء رجل من المرجئة لأيوب السختياني، فقال: إنما هو الكفر والإيمان، فقال أيوب: أرأيت قوله: (( وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ) ) [التوبة: 106] ، أمؤمنون هم أم كفار؟ فسكت الرجل، فقال أيوب: اذهب فاقرأ القرآن، فكل آية في القرآن فيها ذكر النفاق فإني أخافها على نفسي! [7] .
(5) فتح الباري، 13/ 74.
(6) أخرجه الفريابي في (صفة المنافق) ، ص 53.
(7) أخرجه الفريابي في (صفة المنافق) ، ص 92.
(88) أخرجه الفريابي في (صفة المنافق) ، ص 4، وقال الذهبي في السير (11/ 362) : (هذا حديث حسن الإسناد) .
(89) سير أعلام النبلاء، 11/ 362.
(90) مجموع الفتاوى، 28/ 433.