إن هذا التلون والتذبذب يجعل خطرهم كبيرًا، وشرهم مستطيرًا، حيث يخفون كفرهم وضلالهم، ويتظاهرون بالإيمان والاهتداء.
ولذا: خفي على كثير من المسلمين حال بعض الزنادقة (المنافقين) في القديم والحديث، وكما قال الذهبي رحمه الله في شأن الحلاج: (فهو صوفي الزي والظاهر، متستر بالنسب إلى العارفين، وفي الباطن: فهو من صوفية الفلاسفة أعداء الرسل، كما كان جماعة في أيام النبي -صلى الله عليه وسلم- منتسبون إلى صحبته وإلى ملته، وهم في الباطن من مردة المنافقين، قد لا يعرفهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا يعلم بهم، قال تعالى:(( وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ ) ) [التوبة: 101] .
فإذا جاز على سيد البشر أن لا يعلم ببعض المنافقين وهم معه في المدينة سنوات، فبالأولى: أن يخفى حال جماعة من المنافقين الفارغين عن دين الإسلام بعده عليه الصلاة والسلام على العلماء من أمته) [1] .
7 -انتشار النفاق الأصغر في مجتمعاتنا:
ومما يؤكد خطر النفاق: أن الكثير من شعب النفاق الأصغر ـ الذي لا يُخرج عن الملة ـ قد عمت وطمت في مجتمعات المسلمين، كالكذب، وخلف الوعد، والرياء، والخيانة، والجبن، وترك الجهاد في سبيل الله تعالى، وعدم تحديث النفس بذلك.
ومع أن هذه الخصال من النفاق الأصغر، لكنها قد تؤول إلى النفاق الأكبر المخرج من الملة. وفي هذا يقول ابن رجب: (والنفاق الأصغر وسيلة وذريعة إلى النفاق الأكبر، كما أن المعاصي بريد الكفر، فكما يُخشى على من أصرّ على المعصية أن يُسلب الإيمان عند الموت، كذلك يخشى على من أصر على خصال النفاق أن يسلب الإيمان، فيصير منافقًا خالصًا) [2] .
بل استفحل الأمر، وعظم النفاق حتى صرنا نشاهد صورًا أو أنواعًا من النفاق الأكبر في بلاد المسلمين، ومن ذلك: الاستهزاء بدين الله تعالى، والفرح والسرور بانخفاض دين الإسلام وهزيمة المسلمين، والإعراض التام عن حكم الله تعالى، ومظاهرة الكفار ضد المسلمين ...
إن على الدعاة إلى الله أن يَحْذروا مكايد المنافقين ومسالكهم، فلا ينخدعوا بهم، أو يتساهلوا معهم، وأن يعنى الدعاة بمعرفة النفاق وخطره وشعبه؛ مخافة أن يصيبهم، وأن يتعرفوا على مكايد المنافقين ومخططاتهم في الماضي والحاضر لكي لا يقعوا في شراكهم، وأن يجتهد المصلحون في تحقيق تزكية النفوس وتربية الأجيال على الإيمان الصحيح، والقيام بالعبادة ظاهرًا وباطنًا،
فالمنافقون أرباب ظواهر لا بواطن، وسيدرك الصادقون في إيمانهم أولئك المنافقين من خلال لحن القول، كما قال سبحانه: (( وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ ) ) [محمد: 30] .
قال شيخ الإسلام: (فمعرفة المنافقين ثابتة مُقْسَم عليها، لكن هذا يكون إذا تكلموا، وأما معرفتهم بالسيما فهو موقوف على مشيئة الله) [3] .
(3) جامع العلوم، 2/ 492.
(80) مجموع الفتاوي، 17/ 118.
(81) انظر: (التنبيه والرد) للملطي، ص164
(82) أخرجه الخلال في السنة (5/ 72) ، والفريابي في صفة المنافق (72، 85) .
(83) أخرجه الفريابي في (صفة المنافق) ، ص 93.
(84) انظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب، 2/ 480.