يقول ابن القيم: (وبحسب إيمان العبد ومعرفته يكون خوفه أن يكون من أهل هذه الطبقة، ولهذا اشتد خوف سادة الأمة وسابقيها على أنفسهم أن يكونوا منهم، فكان عمر يقول لحذيفة: ناشدتك الله، هل سماني رسول الله مع القوم؟ فيقول: لا، ولا أزكي بعدك أحدًا [1] ، يعني لا أفتح عليّ هذا الباب في تزكية الناس، وليس معناه أنه لم يَبرأ من النفاق غيرك) [2] .
فتأمل رحمك الله ما عليه أولئك الأسلاف الأبرار من خوف شديد من النفاق ودواعيه، ثم انظر إلى حال الأكثرين منا في هذا الزمان، فمع ضعف الإيمان وغلبة الجهل تجد الأمن من النفاق والغفلة عنه! .. فالله المستعان.
5 -ومما يوجب مزيد الخوف من النفاق والحذر من المنافقين: أنهم كثيرون، منتشرون في بقاع الأرض.
كما قال الحسن البصري (رحمه الله) : (لولا المنافقون لاستوحشتم في الطرقات) [3] .
وقال ابن القيم:(كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم، لكثرتهم على ظهر الأرض، وفي أجواف القبور، فلا خلت بقاع الأرض منهم لئلا يستوحش المؤمنون في الطرقات، وتتعطل بهم أسبابُ المعايش، وتخطفهم الوحوش والسباع في الفلوات، سمع حذيفة رضي الله عنه رجلًا يقول: اللهم
أهلك المنافقين، فقال: يا ابن أخي، لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم من قلة السالك) [4] .
ولا يعني ذلك تعميم الحكم بالنفاق على الأكثرية والأغلبية، فإن النفاق شُعَب وأنواع، كما أن الكفر شعب وأنواع، والمعاصي بريد الكفر، فكذا من كان متهمًا بنفاق فهم على أنواع متعددة، كما وضحه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: (ولهذا لم يكن المتهمون بالنفاق نوعًا واحدًا، بل فيهم المنافق المحض، وفيهم مَن فيه إيمان ونفاق، وفيهم مَن إيمانه غالب وفيه شعبة من النفاق، ولما قوي الإيمان وظهر الإيمان وقوته عام تبوك: صاروا يعاتبون من النفاق على ما لم يكن يعاتبون عليه قبل ذلك .. ) [5] .
6 -سهولة الانخداع بهم:
فالمنافقون أصحاب تذبذب وتقلب، وأرباب خداع وتلبيس، فيتكلمون بمعسول الكلام، وفصيح الخطاب، ويظهرون للناس في هيئة حسنة، ومظهر جذاب، فربما انخدع لهم الفئام من المسلمين، فمالوا إليهم وأصغوا إلى قولهم وتدليسهم، قال تعالى: (( وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ) ) [التوبة: 47] ، وقال سبحانه: (( وَإن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ) ) [المنافقون: 4] .
(1) كان عمر الفاروق (رضي الله عنه) يخاف من نفاق العمل لا نفاق الكفر، كما أن عمر يخاف هذا النفاق الأصغر على نفسه في الحال وليس عند الموت فحسب، انظر تفصيل ذلك في جامع العلوم، 2/ 492، وفتح الباري، 1/ 90.
(2) طريق الهجرتين، ص 409.
(3) أخرجه ابن بطة في (الإبانة الكبرى) ، 2/ 698.
(4) مدارج السالكين، 1/ 358.
(77) مجموع الفتاوي، 7/ 523.
(78) السير، 14/ 343.