حذّر القرآن الكريم من النفاق وصفات المنافقين في آيات كثيرة، فكان الحديث عن النفاق والمنافقين في القرآن في سبع عشرة سورة مدنية من ثلاثين سورة، واستغرق ذلك قرابة ثلاثمائة وأربعين آية، حتى قال ابن القيم رحمه الله: (كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم) [1] .
3 -تحذير الرسول - صلى الله عليه وسلم- من النفاق
خاف النبي - صلى الله عليه وسلم- على أمته من النفاق والمنافقين، وحذّر وأنذر من سلوك المنافقين، وحذر من الوقوع في شُعَب النفاق في أحاديث كثيرة.
فعن عمران بن حصين رضي الله عنهما مرفوعًا: (( إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي: منافق عليم اللسان ) ) [2] .
قال المناوي في التيسير [1/ 52] : (كل منافق عليم اللسان: أي: عالم للعلم، منطلق اللسان به، لكنه جاهل القلب والعمل، فاسد العقيدة، مغر للناس بشقاشقه وتفحصه وتقعره في الكلام) [3] .
وقال المناوي ـ أيضًا ـ: (أي: كثير علم اللسان، جاهل القلب والعمل، اتخذ العلم حرفة يتأكل بها، وأبهة يتعزز بها، يدعو الناس إلى الله، ويفرّ هو منه) [4] .
4 -خوف السلف الصالح على أنفسهم من النفاق:
كان سلفنا الصالح (رحمهم الله) - مع عمق إيمانهم وكمال علمهم ـ يخافون النفاق أيما خوف، فقد أخرج البخاري - تعليقًا - أن ابن أبي مليكة رحمه الله قال: (أدركت ثلاثين من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كلهم يخاف النفاق على نفسه) .
قال الحافط ابن حجر: (والصحابة الذين أدركهم ابن أبي مليكة، من أجلِّهم: عائشة، وأختها أسماء، وأم سلمة، والعبادلة الأربعة، وأبو هريرة، ... فهؤلاء ممن سمع منهم، وقد أدرك بالسن جماعة أجلّ من هؤلاء، كعليّ، وسعد بن أبي وقاص، وقد جزم بأنهم كانوا يخافون النفاق في الأعمال، ولم ينقل عن غيرهم خلاف ذلك، فكأنه إجماع، وذلك لأن المؤمن قد يعرض عليه في عمله ما يشوبه مما يخالف الإخلاص، ولا يلزم من خوفهم من ذلك وقوعه منهم .. ) [5]
وكان أبو الدرداء (رضي الله عنه) إذا فرغ من التشهد ـ في الصلاة ـ يتعوذ بالله من النفاق، ويكثر التعوذ منه، فقال له أحدهم: ومالك ـ يا أبا الدرداء ـ أنت والنفاق؟، فقال دعنا عنك، فو الله إن الرجل ليقلب عن دينه في الساعة الواحدة فيُخلع منه. [6]
وكان الحسن البصري رحمه الله يقول: (ما خافه -النفاق- إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق) [7] .
وسئل الإمام أحمد: ما تقول فيمن لا يخاف على نفسه النفاق؟ قال: (ومن يأمن على نفسه النفاق) ؟! [8] .
(1) مدارج السالكين، 1/ 347.
(2) أخرجه الفريابي في (صفة المنافق) ، ص 23، والطبراني في الكبير، 18/ 237، والبيهقي في الشّعَب، 2/ 161، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، (1/ 187) : (رجاله رجال الصحيح) ، وصححه الألباني في الجامع الصغير.
(3) التيسير: (1/ 52)
(4) التيسير (1/ 309)
(5) الفتح (1/ 111)
(6) أخرجه الفريابي في (صفة المنافق) ، ص69، وقال الذهبي في السير (6/ 382) : إسناده صحيح.
(7) أخرجه البخاري تعليقًا وأخرجه الخلال في السنة (5/ 68)
(8) انظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب، 2/ 493.