فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 21

الرسالة الثانية

النفاق والمنافقون تنبيهات وأخطار

إن بلية الإسلام بالمنافقين شديدة جدًّا؛ لأنهم منسوبون إليه، وهم أعداؤه في الحقيقة، يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وصلاح، وهو غاية الجهل والإفساد.

فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه؟، وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه؟، وكم من عَلَم له قد طمسوه؟،وكم لواء مرفوع قد وضعوه، وكم ضربوا بمعاول الشّبه في أصول غراسه ليقلعوها، فلا يزال الإسلام وأهله منهم في محنة وبلية، ولا يزال يطرقه من شبههم سريّة بعد سريّة، يزعمون أنهم بذلك مصلحون، (( أَلا إنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ ) ) [البقرة:12] .

هذا بعض ما سطّره ابن القيم (رحمه الله) في التحذير من النفاق والمنافقين [1] ،والذي هو موضوع هذه الرسالة، وسيكون الحديث عن خطر النفاق والمنافقين من خلال ما يلي:

1 -خطر المنافقين داهم:

فالمنافقون أعظم خطرًا وضررًا من الكفار المجاهرين، كما أن المنافقين أغلظ كفرًا وأشد عذابًا.

قال ابن القيم عنهم: (طبقة الزنادقة، وهم قوم أظهروا الإسلام ومتابعة الرسل، وأبطنوا الكفر ومعاداة الله ورسله، وهؤلاء المنافقون، وهم في الدرك الأسفل من النار، قال تعالى:(( إنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ) ) [النساء: 145] .

فالكفار المجاهرون بكفرهم أخف، وهم فوقهم في دركات النار؛ لأن الطائفتين اشتركتا في الكفر ومعاداة الله ورسله، وزاد المنافقون عليهم بالكذب والنفاق، وبليةُ المسلمين بهم أعظم من بليتهم بالكفار المجاهرين، ولهذا قال تعالى: (( هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) ) [المنافقون: 4] .

ومثل هذا اللفظ يقتضي الحصر، والمراد: إثبات الأولوية والأحقية لهم في هذا الوصف، لا على معنى أنه لا عدو لكم سواهم، بل على معنى أنهم أحق بأن يكونوا لكم عدوًّا من الكفار المجاهرين، فإن الحرب مع أولئك ساعة أو أيامًا، ثم ينقضي ويعقبه النصر والظفر، وهؤلاء معهم في الديار والمنازل، صباحًا ومساءً، يدلون العدو على عوراتهم، ويتربصون بهم الدوائر، ولا يمكنهم مناجزتهم ..

وإنما كانت هذه الطبقة في الدرك الأسفل من النار لغلظ كفرهم، فإنهم خالطوا المسلمين وعاشروهم، ووصل إليهم من معرفة الإيمان ما لم يصل إلى المنابذين بالعدواة، فإذا كفروا مع هذه المعرفة والعلم كانوا أغلظ كفرًا، وأخبث قلوبًا، وأشد عداوة لله ولرسوله وللمؤمنين من البعداء عنهم، قال تعالى عن المنافقين: (( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ) ) [المنافقون: 3] ) [2] .

2 -تحذير القرآن منهم:

(1) انظر: مدارج السالكين، 1/ 347

(2) طريق الهجرتين، ص 402 404، باختصار يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت