الصفحة 12 من 243

فصل

فلما كان المجلس الثاني يوم الجمعة في اثني عشر رجب وقد أحضروا أكثر شيوخهم ممن لم يكن حاضرا ذلك المجلس وأحضروا معهم زيادة صفي الدين الهندي، وقالوا هذا أفضل الجماعة وشيخهم في علم الكلام وبحثوا فيما بينهم واتفقوا وتواطئوا وحضروا بقوة واستعداد غير ما كانوا عليه لأن المجلس الأول أتاهم بغتة وإن كان أيضا بغتة للمخاطب الذي هو المسؤول والمجيب والمناظر.

فلما اجتمعنا وقد أحضرت ما كتبته من الجواب عن أسئلتهم المتقدمة الذي طلبوا تأخيره إلى اليوم حمدت الله بخطبة الحاجة خطبة ابن مسعود رضي الله عنه ثم قلت إن الله تعالى أمرنا بالجماعة والائتلاف ونهانا عن الفرقة والاختلاف، وقال لنا في القرآن {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} وقال {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} وقال {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} وربنا واحد وكتابنا واحد ونبينا واحد وأصول الدين لا تحتمل التفرق والاختلاف وأنا أقول ما يوجب الجماعة بين المسلمين وهو متفق عليه بين السلف فإن وافق الجماعة فالحمد لله وإلا فمن خالفني بعد ذلك كشفت له الأسرار وهتكت الأستار وبينت المذاهب الفاسدة التي أفسدت الملل والدول وأنا أذهب إلى سلطان الوقت على البريد وأعرفه من الأمور ما لا أقوله في هذا المجلس فإن للسلم كلاما وللحرب كلاما.

وقلت لا شك أن الناس يتنازعون يقول هذا أنا حنبلي ويقول هذا أنا أشعري ويجرى بينهم تفرق وفتن واختلاف على أمور لا يعرفون حقيقتها، وأنا قد أحضرت ما يبين اتفاق المذاهب فيما ذكرته وأحضرت، كتاب تبيين كذب المفترى فيما ينسب إلى الشيخ أبى الحسن الأشعرى رحمه الله تأليف الحافظ أبى القاسم أبن عساكر رحمه الله، وقلت لم يصنف في أخبار الأشعرى المحمودة كتاب مثل هذا وقد ذكر فيه لفظه الذي ذكره في كتابه الإبانة فلما انتهيت إلى ذكر المعتزلة سأل الأمير عن معنى المعتزلة فقلت كان الناس في قديم الزمان قد اختلفوا في الفاسق الملي وهو أول اختلاف حدث في الملة هل هو كافر أو مؤمن فقالت الخوارج إنه كافر وقالت الجماعة إنه مؤمن وقالت طائفة نقول هو فاسق لا مؤمن ولا كافر ننزله منزلة بين المنزلتين وخلدوه في النار واعتزلوا حلقة الحسن البصري وأصحابه رحمه الله تعالى فسموا معتزلة.

وقال الشيخ الكبير ليس كما قلت ولكن أول مسألة اختلف فيها المسلمون مسألة الكلام وسمي المتكلمون متكلمين لأجل تكلمهم في ذلك وكان أول من قالها عمرو بن عبيد ثم خلفه بعد موته عطاء بن واصل هكذا قال وذكر نحوا من هذا فغضبت عليه وقلت أخطأت وهذا كذب مخالف للإجماع وقلت له لا أدب ولا فضيلة لا تأدبت معي في الخطاب ولا أصبت في الجواب، ثم قلت الناس اختلفوا في مسألة الكلام في خلافة المأمون وبعدها في أواخر المائة الثانية وأما المعتزلة فقد كانوا قبل ذلك بكثير في زمن عمرو بن عبيد بعد موت الحسن البصري في أوائل المائة الثانية ولم يكن أولئك قد تكلموا في مسألة الكلام ولا تنازعوا فيها وإنما أول بدعتهم تكلمهم في مسائل الأسماء والأحكام والوعيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت