فلا يصحُ الاحتجاجُ بما وقع بعد الصحابة؛ لأنهُ مخالفٌ للأحاديث الثابتة، وما فهمه سلف الأمة، وقد أخطأ الوليدُ في إدخالهِ الحجرةَ النبويةَ ضمن المسجد، وكان باستطاعته أن يُوسعه من الجهات الأخرى دون أن يتعرضَ للحجرةِ النبوية [1] .
وأمَّا دعوى عدمُ الإنكار، فهذه دعوى بلا دليل، وعدمُ العلمِ ليس علمًا بالعدم، وسكوتُ العلماءِ لا يعني الرضا والإقرار؛ كما سبق الإشارةُ إليه آنفًا؛ لا سميا وأنَّ الذي أدخلَ القبرَ النبوي ضمن المسجد، خليفةً ذو شوكةٍ وسلطان ـ وهو الوليدُ بن عبد الملك، وكذا الذي اتخذ القبة هو السلطان قلاوون.
ومع ذلك فإنَّ المعوّل عليه هو الدليلُ والبرهان، وليس واقع الناس وحالهم. والله المستعان.
ومما يبينُ تهافت هذه الدعوى: ما نُقل عن علماءٍ أنكروا هذا الصنيع وحذّروا منه.
فيُحكى عن سعيد بن المسيب ـ رحمه الله ـ: أنَّه أنكر إدخالُ حُجرة عائشة في المسجد، كأنَّهُ خُشي أن يُتخذ مسجدًا [2]
وأشارَ شيخُ الإسلام ابن تيمية إلى إنكارِ هذه القبة؛ حيثُ قال: (ثمَّ بعد ذلك بسنينٍ متعددةٍ بنيت القبة على السقف، وأنكره من كرهه) [3]
يقولُ العلاّمةُ حسين بن مهدي النعمي في الردِّ على هذه الدعوى:(قوله [أي المخالف] : ومن المعلومِ أنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- له قبةً، وأولياءَ المدينة وأولياءَ سائر البلدان.
أقولُ: الأمر كذلك؛ فكان ماذا؟ بعد أن حذرَّ -صلى الله عليه وسلم- وأنذرَ وبرأ جانبهُ المقدس الأطهر -صلى الله عليه وسلم-، فصنعتم له ما نهى عنه، أفلا كان هذا كافيًا لكم عن أن تجعلوا أيضًا مخالفتكم عن أمرهِ حجةً عليه، وتقدمًا بين يديه! فهل أشارَ بشيءٍ من هذا، أو رضيهُ أو لم ينهَ عنه؟) [4]
(1) - انظر: تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، للألباني، ص 93، وصراع بين الحق والباطل، لسعد صادق محمد، ص 106.
(2) - انظر بحثًا: حول القبة المبنية على قبر الرسول، لمقبل الو ادعي، ص 357.
(3) - اقتضاء الصراط المستقيم، 2/ 279.
(4) - معارج الألباب، ص 147، بتصرف يسير.