الصفحة 16 من 30

ثالثًا: أنَّ سكوتَ العلماءِ عن هذهِ المظاهرِ الشركيةِ والبدعية عند المشاهد والقبور، لا يعني الرضا والإقرار، فقد يتعذرُ عليهم الإنكارُ باليد وباللسان، ولم يبق لهم إلاَّ الإنكارُ بالقلب، لا سميا وهذه المشاهدُ والقباب قد بناها حكامٌ وسلاطين؛ كما يقولُ الصنعاني: (فما كلَّ سكوتٍ رضى؛ فإنَّ هذه منكراتٌ أسسها من بيدهِ السيفُ والسنان، ودماءُ العباد وأموالهم تحت لسانه وقلمه، وأعراضهم تحتَ قولهِ وكلامه، فكيف يقوى فردٌ من الأفراد على دفعهِ عمَّا أراد. فإنَّ هذه القبابُ والمشاهدُ أعظمُ ذريعةً إلى الشرك والإلحاد، وأكبرُ وسيلةً إلى هدمِ الإسلامِ وخرابِ بُنيانه، وغالبُ بل كل من يعمُرها هم الملوكُ والسلاطين والرؤساء والولاة، إمَّا على قريبٍ لهم، أو على من يُحسنون الظن فيه.) [1] .

ومن هذا القبيل ما يحتجُّ به القبور يون، بأنَّ قبرَ النبي -صلى الله عليه وسلم- قد ضُمّن المسجد النبوي دون نكير، ولو كان ذلك حرامًا لم يدفن فيه، كما يحتجون بوجود القبةِ على قبره صلى الله عليه وآله وسلم.

والجوابُ: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- دُفن في حجرةِ عائشة ـ رضي الله عنها ـ شرقي المسجد، فلم يُدفن في المسجد، والأنبياءُ يُدفنون حيثُ يموتون ... ـ كما جاءت بذلك الأحاديث ـ.

كما أنَّ الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ دفنوه في حُجرةِ عائشةَ كي لا يتمكنَ أحدٌ بعدهم من اتخاذ قبرهِ مسجدًا؛ كما في حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قال رسول -صلى الله عليه وسلم- في مرضه الذي مات فيه: (لعن الله اليهودُ والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، قالت: فلولا ذلك أُبرِزَ قبره، غيرَ أنَّه خُشي أن يُتخذ مسجدًا) أخرجه البخاري ومسلم.

وأمرٌ آخر، وهو أنَّ الحجرة النبوية إنَّما أُدخلت في المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك، بعد موتِ عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة [2] .

حيثُ أمرَ الوليد بن عبد الملك سنةَ ثمانٍ وثمانين بهدم المسجد النبوي، وإضافة حُجر أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- إليه على سبيل التوسعة، فأُدخل فيه الحجرةَ النبويةَ، حجرةَ عائشة، فصار القبرُ بذلك في المسجد [3] .

(1) - تطهير الاعتقاد، ص 41.

(2) - انظر: الرد على الأخنائي، ص 184، ومجموع الفتاوى، 27 ـ 323.

(3) - انظر: تاريخ ابن كثير، 9/ 74.

انظر: تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، للألباني، ص 93، وصراع بين الحق والباطل، لسعد صادق محمد، ص 106.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت