الصفحة 15 من 30

يقولُ شيخُ الإسلام ابن تيمية: (قد كان من قبورِ أصحاب رسول بالأمصارِ عددٌ كثير، وعندهم التابعون، ومن بعدهم من الأئمة، وما استغاثوا عند قبر صاحب قط، ولا استسقوا عند قبرهِ ولا به، ولا استنصروا عنده ولا به. ومن المعلومِ أنَّ مثلَ هذا مما تتوفرُ الهممُ والدواعي على نقله، بل على نقلِ ما هو دونه، ومن تأملَ كُتبَ الآثار، وعرفَ حالُ السلفِ، تيقنَ قطعًا أنَّ القومَ ما كانوا يستغيثون عند القبور، ولا يتحرون الدعاءَ عندها أصلًا، بل كانوا يُنهون عن ذلك من كان يفعلهُ من جُهّالهم) [1] .

ويقولُ ابنُ القيم مبيّنًا أنَّ صنيع القبوريين مفارقٌ لما كان عليه سلفُ الأمةِ:

(هل يُمكنُ لبشرٍ على وجهِ الأرضِ أن يأتي عن أحدٍ منهم [أي: السلف الصالح] بنقلِ صحيحٍ أو حسنٍ أو ضعيف أو منقطعٍ، أنَّهم كانوا إذا كانَ لهم حاجةً قصدوا القبور فدعوا عندها، وتمسحوا بها، فضلًا أن يُصلّوا عندها، أو يسألوا الله بأصحابها، أو يسألوهم حوائجهم، فليوقفونا على أثرٍ واحد، أو حرفٍ واحد في ذلك.) [2] .

يقولُ العلامةُ الصنعاني جوابًا عن هذهِ الشبهة: (إن أردتَ الإنصافَ وتركت متابعةَ الأسلافِ، وعرفت أنَّ الحقَّ ما قامَ عليه الدليل، لا ما اتفق عليه العوالمُ جيلًا بعد جيل، وقبيلًا بعد قبيل؛ فاعلم أنَّ هذهِ الأمورِ التي نُدندنُ حولَ إنكارها، ونسعى في هدمِ منارها، صادرةً عن العامةِ الذين إسلامهم تقليدَ الآباء بلا دليل، ينشأُ الواحدُ فيهم، فيجدُ أهلَ بلدته يلقنونه: أن يهتفَ باسم من يعتقدون فيه، ويراهم يُنذرون له، ويرحلون إلى محلِّ قبره، فنشأ على هذا الصغير، وشاخَ عليه الكبير، ولا يسمعون من أحدٍ عليهم من نكير، ولا يخفى على أحدٍ يعرفُ بارقةً من علم الكتاب والسنةِ والأثر، أنَّ سكوت العالم على وقوعِ المنكرِ ليس دليلًا على جوازِ ذلك المنكر) [3] .

ويقولُ العلامةُ الشوكاني: (اعلم أنَّه قد اتفق الناسُ سابقهم ولاحقهم، وأولهم وآخرهم من لدن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ إلى هذا الوقت، أنَّ رفعَ القبورِ والبناءِ عليها من البدع التي ثبت النهي عنها، واشتدَّ وعيد رسول -صلى الله عليه وسلم- لفاعلها، ولم يُخالف في ذلك أحدٌ من المسلمين) [4] .

(1) - اقتضاء الصراط المستقيم، 2/ 681.

(2) - إغاثة اللهفان، 1/ 318.

(3) - تطهير الاعتقاد، ص 36، باختصار.

(4) - شرح الصدور، ص 8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت