ومن الأمثلة على هذا المسلك ألاحتسابي، ما فعلهُ الحارث بن مسكين ـ رحمه الله ـ (ت 250هـ) عندما هدم مسجدًا كان قد بني بين القبور [1]
قال ابن كثيرٍ في حوادثِ سنة 236هـ: (فيها أمرَ المتوكلُ بهدم قبر الحسين بن علي بن أبي طالب وما حولهُ من المنازل والدور، ونُودي في الناس: من وجد هُنا بعد ثلاثةِ أيام ذهبنا به إلى المطبق(السجن) [2]
وقال أبو شامة (ت 665هـ) : (ولقد أعجبني ما صنعهُ الشيخُ أبو إسحاق الجبينأني أحد الصالحين ببلادِ أفريقية، في المائةِ الرابعة، حكى عنه صاحبه الصالح، أبو عبد الله محمد بن أبي العباس المؤدّب، أنَّه كان إلى جانبه عينٌ تسمى عين العافية، كانت العامةُ قد افتتنوا بها، يأتونها من الآفاق، من تعذّر عليها نكاح أو ولد قالت: امضوا بي إلى العافية، فتعرف بها الفتنة، قال أبو عبد الله: فإنَّا في السحَرِ ذات ليلة إذ سمعتُ أذان أبي إسحاق نحوها، فخرجتُ فوجدتُه قد هدمها، وأذّنَ الصبحِ عليها، ثمَّ قال: اللهم إنِّي هدمتُها لك فلا ترفع لها رأسًا، قال:(فما رُفِعَ لها رأس إلى الآن) [3]
وذكر ابن غنام في تاريخه، ما فعلهُ الشيخُ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمهُ الله ـ مع عثمان بن معمر، من هدمِ القباب وأبنيةِ القبور، فقال: (فخرج الشيخُ محمد بن عبد الوهاب، ومعهُ عثمان بن معمر، وكثيرٌ من جماعتهم إلى الأماكن التي فيها الأشجارُ التي يعظمها عامةُ الناس، والقباب وأبنية القبور، فقطعوا الأشجارَ، وهدموا المشاهدَ والقبور، وعدلوها على السُنة، وكان الشيخُ هو الذي هدمَ قبةَ زيد بن الخطاب بيده، وكذلك قطعَ شجرة الذيب مع بعض أصحابه) [4]
ومما يجدُرُ التنبيهُ عليه، أنَّ الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد سلك هذا المسلك الاحتسابي العملي، لما كان عنده من شوكةٍ وقوة، ولكنهُ كان في أولِّ أمره قد سلك مسلك الدعوةِ برفقٍ ولين، كما قال تلميذهُ وحفيدهُ الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ـ رحمهم الله ـ: (كما جرى لشيخنا محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ في ابتداءِ دعوته، فإذا سمعهم يدعون زيد ابن الخطاب -
(1) - انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض، 1/ 332، والديباج المذهب، لابن فرحون، 1/ 339.
(2) - تاريخ ابن كثير، 1/ 315.
(3) - الباعث على إنكار البدع والحوادث، ص 103، 104.
(4) - تاريخ ابن غنام، 1/ 78، بتصرف يسير.