فهرس الكتاب
رسول الله ونحو ذلك من الأفعال التي تنافى إيمان القلب، فإذا قال أنا مؤمن بقلبي مع هذه الحال كان كاذبا فيما أظهره من القول.
فهذا الموضع ينبغي تدبره فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب وعلم أن من قال من الفقهاء أنه إذا أقر بالوجوب وامتنع عن الفعل لا يقتل أو يقتل مع إسلامه فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل.
ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في مسألة الإيمان وأن الأعمال ليست من الإيمان وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وأن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان أو جزء من الإيمان كما تقدم بيانه، وبهذا تزول الشبهة في هذا الباب فإن كثيرا من الناس بل أكثرهم في كثير من الأمصار لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس ولا هم تاركيها بالجملة بل يصلون أحيانا ويدعون أحيانا فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق [1] وتجري عليم أحكام الإسلام الظاهرة في المواريث ونحوها من الأحكام فإن هذه الأحكام إذا جرت على المنافق المحض [2] كابن أبي وأمثاله من المنافقين فلأن تجري على هؤلاء أولى وأحرى.
وبيان هذا الموضع مما يزيل الشبهة فإن كثيرا من الفقهاء يظن أن من قيل هو كافر فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتد ردة ظاهرة فلا يرث ولا يورث ولا يناكح حتى أجروا هذه الأحكام على من كفروه بالتأويل من أهل البدع، وليس الأمر كذلك فإنه قد ثبت أن الناس كانوا ثلاثة أصناف مؤمن وكافر مظهر للكفر ومنافق مظهر للإسلام مبطن للكفر، وكان في المنافقين من يعلمه الناس بعلامات ودلالات بل من لا يشكون في نفاقه ومن نزل القرآن ببيان نفاقه كابن أبى وأمثاله، ومع هذا فلما مات هؤلاء ورثهم ورثتهم المسلمون وكان إذا مات لهم ميت آتوهم ميراثه وكانت تعصم دماؤهم حتى تقوم السنة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته.
ولما خرجت الحرورية على علي بن أبي طالب رضي الله عنه واعتزلوا جماعة المسلمين قال لهم إن لكم علينا أن لا نمنعكم المساجد ولا نمنعكم نصيبكم من الفئ فلما استحلوا قتل المسلمين وأخذ أموالهم قاتلهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم اهـ.
النقطة السابعة: وخلاصة كلام ابن تيمية السابق: أن تارك الصلاة كافر ونوع الكفر النفاق وتجرى عليه أحكام الإسلام في كل شيء إلا ما استثني كالصلاة عليه فلا يصلى عليه إذا مات (ولا تصلي على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره) ومثل تحريم موالاته والاستغفار والدعاء له (لن يغفر الله لهم) ... الخ، وتاركها امتناعا كافر
(1) ـ نفاق أكبر ولذا قال تجري عليه أحكام الإسلام ولو كان يقصد النفاق الأصغر لما قال ذلك، لأن من فعل النفاق الأصغر ليس كافرا أصلا فلا حاجة إلى هذا التقييد لأنه لا يدور في الخلد أصلا.
(2) ـ هذا لا يناقض الكلام الذي قلنا لأن هذا التارك للصلاة كافر منافق وأغلظ منه ابن سلول الذي من أصله مبغض للإسلام، وتارك الصلاة غير مبغض لكن متكاسل ومهمل وفيه محبة لله وللدين لكن غير نافعة، وان اشتركوا في الكفر لكن اختلفوا في غلظة النفاق، وإذا كان أحكام الإسلام تجري على المنافق الكافر الغليظ فمن باب أولى أن تجري على المنافق الكافر غير الغليظ في النفاق.