فهرس الكتاب
شرك الرياء: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا) وفي الحديث:"أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"وفي الحديث:"من حلف بغير الله، فقد أشرك"ومعلوم: أن حلفه بغير الله لا يخرجه عن الملة، ولا يوجب له حكم الكفار؛ ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم:"الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل"فانظر: كيف انقسم الشرك، والكفر، والفسوق، والظلم، إلى ما هو كفر ينقل عن الملة، وإلى ما لا ينقل عن الملة.
وكذلك: النفاق، نفاقان؛ نفاق اعتقادي؛ ونفاق عملي؛ والنفاق الاعتقادي: مذكور في القرآن، في غير موضع، أوجب لهم تعالى به الدرك الأسفل من النار؛ والنفاق العملي، جاء في قوله صلى الله عليه وسلم"أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق، حتى يدعها؛ إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا أؤتمن خان"وكقوله صلى الله عليه وسلم:"آية المنافق ثلاث"إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان"قال بعض الأفاضل: وهذا النفاق قد يجتمع مع أصل الإسلام بالكلية وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، ولكن إذا استحكم وكمل، فقد ينسلخ صاحبه من الإسلام بالكلية وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم فإن الإيمان ينهى عن هذه الخلال، فإذا كملت للعبد، ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها، فهذا لا يكون إلا منافقًا خالصًا، انتهى."
الأصل الخامس: أنه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد، أن يسمى مؤمنًا، ولا يلزم من قيام شعبة من شعب الكفر، أن يسمى كافرًا، وإن كان ما قام به كفر، كما أنه لا يلزم من قيام جزء من أجزاء العلم، أو من أجزاء الطب، أو من أجزاء الفقه، أن يسمى عالمًا، أو طبيبًا، أو فقيها؛ وأما الشعبة نفسها، فيطلق عليها اسم الكفر كما في الحديث:"اثنتان في أمتي هما بهم كفر، الطعن في النسب، والنياحة على الميت"وحديث:"من حلف بغير الله فقد كفر"ولكنه لا يستحق اسم الكفر على الإطلاق.
فمن عرف: هذا، عرف فقه السلف، وعمق علومهم، وقلة تكلفهم؛ قال ابن مسعود: من كان متأسيًا، فليتأس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا؛ قوم: اختارهم الله لصحبة نبيه، فاعرفوا لهم حقهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم؛ وقد كاد الشيطان بنى آدم، بمكيدتين عظيمتين، لا يبالي بأيهما ظفر: أحدهما الغلو ومجاوزة الحد والإفراط، والثاني هو الإعراض، والترك والتفريط.
قال ابن القيم: لما ذكر شيئًا من مكائد الشيطان قال بعض السلف: ما أمر الله تعالى بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان، إما إلى تفريط وتقصير وأما إلى مجاوزة وغلو ولا يبالي بأيها ظفر وقد اقتطع أكثر الناس إلا القليل، في هذين الواديين وادي التقصير ووادي المجاوزة والتعدي، والقليل منهم الثابت على الصراط الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وعدّ رحمه الله كثيرًا من هذا النوع ـ إلى أن قال ـ وقصر بقوم حتى قالوا: إيمان أفسق الناس وأظلمهم كإيمان جبريل وميكائيل فضلًا عن أبى بكر وعمر وتجاوز بآخرين حتى أخرجوا من الإسلام بالكبيرة الواحدة. اهـ بحروفه
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
انتهى الملحق والحمد لله رب العالمين.