فهرس الكتاب
وقد سمى الله سبحانه: من عمل ببعض كتابه وترك العمل ببعضه، مؤمنًا بما عمل به وكافرًا بما ترك العمل به قال تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم) إلى قوله: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) الآية فأخبر تعالى أنهم أقروا بميثاقه، الذي أمرهم به والتزموه وهذا يدل على تصديقهم به؛ وأخبر: أنهم عصوا أمره وقتل فريق منهم فريقًا آخرين وأخرجوهم من ديارهم وهذا كفر بما أخذ عليهم ثم أخبر: أنهم يفدون من أسر من ذلك الفريق، وهذا إيمان منهم بما أخذ عليهم في الكتاب وكانوا مؤمنين، بما عملوا به من الميثاق، كافرين بما تركوه منه.
فالإيمان العملي: يضاده الكفر العملي والإيمان الاعتقادي: يضاده الكفر الاعتقادي، وفي الحديث الصحيح"سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر"ففرق بين سبابه، وقتاله وجعل أحدهما فسوق، لا يكفر به، والآخر كفرًا ومعلوم: أنه إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادى وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية، والملة بالكلية كما لم يخرج الزاني والسارق والشارب، من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان.
وهذا: التفصيل، قول الصحابة، الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله، وبالإسلام والكفر ولوازمهما، فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم والمتأخرون: لم يفهموا مرادهم فانقسموا فريقين؛ فريق أخرجوا من الملة بالكبائر وقضوا على أصحابهم بالخلود في النار وفريق: جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان، فأولئك غلوا وهؤلاء جفوا وهدى الله أهل السنة للطريقة المثلى، والقول الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل فهاهنا كفر دون كفر ونفاق دون نفاق وشرك دون شرك، وظلم دون ظلم، فعن ابن عباس رضي الله عنه، في قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال: ليس هو الكفر الذي تذهبون إليه رواه عن سفيان وعبد الرازق وفي رواية أخرى: كفر لا ينقل عن الملة وعن عطاء كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق.
وهذا: بين في القرآن، لمن تأمله فإن الله سبحانه سمى الحاكم بغير ما أنزل الله كافرًا وسمى الجاحد لما أنزل الله على رسول كافرًا، وليس الكفران على حد سواء وسمى الكافر ظالما، وفى قوله: (والكافرون هم الظالمون) وسمى من يتعد حدوده في النكاح، والطلاق والرجعة والخلع، ظالمًا وقال: (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) وقال يونس عليه السلام: (إني كنت من الظالمين) وقال آدم عليه السلام (ربنا ظلمنا أنفسنا) وقال موسى: (رب إني ظلمت نفسي) وليس هذا الظلم مثل ذلك الظلم؛ وسمى الكافر فاسقا، في قوله: (وما يضل به إلا الفاسقين) وقوله: (ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون) وسمى العاصي فاسقًا، في قوله: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) وقال في الذين يرمون المحصنات: (وأولئك هم الفاسقون) وقال (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) وليس الفسوق، كالفسوق.
وكذلك: الشرك، شركان؛ شرك: ينقل عن الملة، وهو الشرك الأكبر؛ وشرك: لا ينقل عن الملة، وهو الشرك الأصغر، كشرك الرياء؛ وقال تعالى، في الشرك الأكبر: (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار) وقال تعالى: (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير) وقال تعالى، في