فهرس الكتاب
أي أن جنسه محرم لم يبح قط بأي حالٍ من الأحوال قبل الرسالة أوبعد الرسالة، فالشرك شرك قبل الرسالة وبعد الرسالة والمشرك مشرك قبل الرسالة وبعد الرسالة، ولهذا كان أول ما بدأت به الرسالة التوحيد والنهي عن الشرك لأن البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة، والحاجة ماسة إلى ترك الشرك لتحقيق الإسلام.
4 -الشرك والكفر يحرَّمان بحدهما قبل أن تذكر مفرداتهما:-
لما كان التوحيد يفرض بحده، والشرك يحرم بحده قبل بيان تفصيلاته أي مفرداته، فكل ما تأخر فرضه أو تحريمه فهو خارج عن التوحيد وعن الشرك الأكبر، لأن البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة
(ولم يحدث أن تلبس مسلم بالشرك وأقره الرسول صلى الله عليه وسلم علي ذلك، بل أول ما حدث ولاء للكافرين من بعض من ينتسب إلي الإسلام، أو مظاهرة للمشركين، أو إعراض عن حكم الله إلي حكم كعب بن الأشرف، أو إلي أبي برزة الأسلمي، كانت هذه الأفعال كفرًا يكفر به صاحبه، ولم يكن الفعل قبل ورود النص التفصيلي فيه علي وضع البراءة الأصلية كشأن المحرمات قبل التحريم مثل الخمر والربا والميسر، أو الإستغفار للمشركين يقول الله فيها / لَيْسَ عَلَي الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ/ [1]
ويقول تعالي:/ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّي يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ / [2] بل كان الفعل كفرًا، بمجرد وقوعه إكتفاءً بتحريم الشرك بحده وليس بمفرداته، كتحريم البدع فإنما تحرم بحدها، وليس بمفرداتها [كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار] ، إكتفاءً بوجود حد البدعة في الإعتقاد أو القول أو العمل، دون وجود بيانٍ تفصيليٍ من الرسول صلى الله عليه وسلم بالمحرمات من البدع.
وذلك بخلاف المعاصي فإنه لا تحريم إلا بنص ولا تجريم إلا بتحريم ولا عقوبة إلا بتجريم، أما الشرك فيحرم بقوله تعالى على لسان أنبيائه / اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ / وبقول {لا إله إلا الله محمد رسول الله} فيحرم بحده دون حاجةٍ إلي بيانٍ تفصيليٍ بمفرداته كالبدع سواء بسواء. [3]
5 -الأصول الحق فيها واحد والقول فيها واحد
لا يتعدد، وما عداه بدعة، أما الفروع فتتعدد فيها الأقوال، وكل مالم يبين من العقائد في عصر النبوة، فلا حاجة إلي اعتقاده أو الخوض فيه.
6 -نواقض صلب التوحيد مكفره:-
فما لم تكن نواقضه مكفرةً فليس من صلب التوحيد، وربما كان من كمالاته، ومن هنا يتبين لنا أن الخلاف في كفر من ترك الصلاة لأنها وإن اشتركت مع ضوابط التوحيد في ضابطٍ واحدٍ وهو ضوابط الألفاظ أي أن الكفر أتي معرفًا ومطلقًا إلا أنها اختلفت معه في بقية الضوابط الأخري، فهي مما تأخر فرضه أي أن المسلم كان مسلمًا قبل فرض الصلاة، ولكن المسلم لا يمكن أن يكون مسلمًا في الحقيقة في أى وقتٍ إلا
(1) المائدة (93)
(2) التوبة (115)
(3) البلاغ المبين 1/ 238 - 239