فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 41

كما أن الكفر عدم الإيمان - باتفاق المسلمين [1] ومن ثم، فهو ليس تكذيبًا فحسب، بل قد يكون امتناعًا عن اتباع الرسول مع العلم بصدقه [2] ..

وقد يكون هذا الكفر إعراضًا أو شكًا، وعلى هذا يكون من ترك الحكم بما أنزل الله إباءً وردًّا، فهو كافر مرتد، وإن كان مقرًا بهذا الحكم؛ لأن الإيمان يقتضي وجوب الانقياد، والطاعة، والإذعان لحكم الله - تعالى - ونوضح ذلك من خلال ما يلي:

-مما أورده ابن جرير رحمه الله عند شرحه لحديث البراء بن عازب،- رضي الله عنه: مرّ بي عمي الحارث بن عمرو ومعه لواء قد عقده له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال فسألته، قال: بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أن أضرب عنق رجل تزوج امرأة أبيه" [3] "

-حيث يقول ابن جرير:"فكان فعله [أي نكاحه زوج أبيه] من أدل الدليل على تكذيبه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما أتاه به عن الله - تعالى - ذكره وجحوده آية محكمة في تنزيله ... فكان بذلك من فعله حكم القتل وضرب العنق، فلذلك أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقتله وضرب عنقه؛ لأن ذلك كان سنته في المرتد عن الإسلام" [4]

فتأمل - رحمك الله - نصّ هذا الحديث، وما قرره ابن جرير عند ما بيّن أن التكذيب، أو الاستحلال قد يظهر في عمل من الأعمال وهذا كفر ردّ، وإباء، فليس التكذيب أو الاستحلال (القلبي) واقعًا بنطق اللسان فقط - كما زعمت المرجئة- [5]

إضافة إلى ذلك فإنّ من ردّ، وامتنع عن قبول حكم الله - تعالى - فهو كافر بالإجماع، وإن كان مقرًّا بهذا الحكم،"يقول إسحاق بن راهويه: وقد أجمع العلماء أن على من دفع شيئًا أنزله الله .. وهو مع ذلك مقر بما أنزل الله أنه كافر" [6]

* يقول الجصاص في تفسير قوله - تعالى: (( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) ) (النساء:65)

(1) انظر: الفتاوى لابن تيمية 20/ 86.

(2) درء تعارض النقل والعقل 1/ 242.

(3) رواه أحمد 4/ 292، وابن ماجه 2/ 869 وغيرهما.

(4) تهذيب الآثار 2/ 48.

(5) قارن ما سق ذكره، بما تراه واقعًا مشاهدًا في مجتمعات المسلمين، عند ما (جوّزت) تلك الأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين أوكار الربا والزنا والخمر ونحوها من المحرمات الظاهرة، ومنحت (التراخيص لتلك الموبقات، بل(فرضت) تلك المحرمات القطعية، وقامت على رعايتها وحمايتها، ليس هذا فسحب، بل (سوغت) تلك الأنظمة مولاة الكفار باسم المصالح المشتركة والتعايش السلمي) والله المستعان.

(6) التمهيد لابن عبد البر 4/ 226 = باختصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت