فهرس الكتاب
(( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ) ) (النساء:140) ... * يقول القرطبي:"قوله - تعالى: (فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) أي غير الكفر: (إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ) فدل بهذا على وجوب اجتناب المعاصيى وجوب اجتناب المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضى بالكفر كفر" [1]
* ويقول محمد رشيد رضا في قوله: (إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ) هذا تعليل للنهي، أي إنكم إن قعدتم معهم تكونون مثلهم، وشركاء لهم في كفرهم؛ لأنكم أقررتموهم عليه ورضيتموه لهم، ولا يجتمع الإيمان بالشيء، وإقرار الكفر والاستهزاء به، ويؤخذ من الآية أن إقرار الكفر بالاختيار كفر، ويؤخذ منه أن إقرار المنكر والسكوت عليه منكر وهذا منصوص عليه أيضًا، وأن إنكار الشيء يمنع فشوه بين من ينكرونه حتمًا، فليعتبر بهذا أهل هذا الزمان، ويتأملوا كيف يمكن الجمع بين الكفر والإيمان، أو بين الطاعة والعصيان، فإن كثيرًا من الملحدين في البلاد المتفرنجة يخوضون في آيات الله، ويستهزئون بالدين، ويقرهم على ذلك، ويسكت لهم من لم يصل إلى درجة كفرهم، لضعف الإيمان و العياذ بالله تعالى -" [2] "
ويقول - تعالى: (( وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ) ) (النور:47) ... * يقول النسفي - في تفسيرها - (وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) أي المخلصين، وهو إشارة إلى القائلين آمنّا وأطعنا، لا إلى الفريق المتولي وحده، وفيه إعلام من الله بأن جميعهم منتف عنهم الإيمان لاعتقادهم ما يعتقد هؤلاء، والإعراض وإن كان من بعضهم، فالرضا بالإعراض من كلهم" [3] "
(ج) متى يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفرًا أصغر؟ يكون الحكم بغير ما أنزل تعالى في واقعة ما [4] مع اعتقاده وجوب الحكم بما أنزل الله - تعالى - في هذه القضية المعينة، فعدَل عنه
(1) تفسير القرطبي 418/ 5، وانظر تفسير البيضاوي 251/ 1.
(2) تفسير المنار 5/ 464.
(3) تفسير النفسي 4/ 409، (ضمن مجموعة من التفاسير)
(4) فهو ليس منهجًا ثابتًا أو قانونًا دائمًا، فمثل هذا يعدّ إباءً ورفضًا لكم الشريعة، كما سبق توضيحه بل هو ملتزم لشرع الله في الجملة كما قال ابن تيمية وكما يقول الشيخ محمد بن إبراهيم: وأما الذي قيل فيه كفر دون كفر، إذا حاكم إلى غير الله مع اعتقاد أنه عاص وأن حكم الله هو الحق، فهذا الذي يصدر منه المرة ونحوها، أما الذي جعل قوانين بترتيب وتخضيع فهو كفر، وإن قالوا أخطأنا وحكم الشرغ أعدل. ا. هـ من فتاوى محمدبن إبراهيم 280/ 12.