من الجماعات الإسلامية عندما دخلت في صراع مع الأنظمة الحاكمة ثم تبنَّت التراجعات، وما حدث في أفغانستان عندما قامت الإمارة الإسلامية -إلا أنهم في هذا المثال الأخير ثبتوا على الحق، وظنُّنا في الله أن يتم لهم النصر ويمكِّن لهم في الأرض-، وهكذا دائمًا قبل النصر والتمكين ومعه لا بد من الابتلاء لاجتياز العقبة.
ونخشى أن يؤدي تسارع المتسارعون وتعجلهم لقطف الثمرة إلى انتكاسة للحركة الإسلامية بعد جهد عشرات السنين وهذا معنى التعجل قبل الأوان في قولهم: (من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه) .
وليس ما كان يطاردنا به البعض خلال عشرات السنين كلما اتبع بعضنا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم في الإقدام والتضحية وتحمل المشاق في الجهاد والأخذ بالعزيمة في المواضع التي يُباح فيها الرخص.
والحق والعدل والمعنى الصحيح لهذه العبارة هو فيمن تعجَّل الشيء قبل أوانه بما يخالف أحكام الشريعة لا بما يوافقها، فالإنفاق وإن استغرق المال كله فعلُ الصديق رضي الله عنه، وقتال الرجل وحده وانغماسه في العدو، والصبر ومواجهة العدد القليل الضعيف العدة للعدو الجبار المتكبر، فهذا كله إما سنة تقريرية أو فعل الصحابة رضوان الله عليهم.
ولكن معناها هو فيمن يجاهد ويصبر السنين الطوال ثم يتراجع ويساوم ويتنازل عن مبادئه تعجُّلًا للنصر عند ظهور بشائره، وهو لا يدري أن النصر نفسه أو مقدماته قد تكون فتنة واختبار، وكم من الناس من يصبر على فتنة الشدة ولا يصبر على فتنة النعمة وتعجُّل النصر.
ولو نظر الإنسان بعين اليقين لعلم أن هذه الدنيا لا تساوي شيئًا، وأن الأمر بنصر الدين وإقامة أحكامه وشرائعه وكافة التكاليف الشرعية إنما هي لابتلاء الناس وليست هي الغاية، إنما الغاية مرضاة الله عز وجل كما قال الله تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} [سورة محمد: الآية 4] وقوله سبحانه: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَن الْعَالَمِينَ} [سورة العنكبوت: الآية 6] .
ولو كان النصر هو الغاية لَمَا أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام شدة ولا قرح ولا هزيمة.