فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 491

«رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإِيمانِ: أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ. فَآمَنَّا. رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ، وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ» ..

فهي قلوب مفتوحة ما إن تتلقى حتى تستجيب. وحتى تستيقظ فيها الحساسية الشديدة ، فتبحث أول ما تبحث عن تقصيرها وذنوبها ومعصيتها ، فتتجه إلى ربها تطلب مغفرة الذنوب وتكفير السيئات ، والوفاة مع الأبرار.

ويتسق ظل هذه الفقرة في الدعاء مع ظلال السورة كلها ، في الاتجاه إلى الاستغفار والتطهر من الذنب والمعصية ، في المعركة الشاملة مع شهوات النفس ومع الذنب والخطيئة. المعركة التي يتوقف على الانتصار فيها ابتداء كل انتصار في معارك الميدان ، مع أعداء اللّه وأعداء الإيمان .. والسورة كلها وحدة متكاملة متناسقة الإيقاعات والظلال.

وختام هذا الدعاء. توجه ورجاء. واعتماد واستمداد من الثقة بوفاء اللّه بالميعاد: «رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ، وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ ، إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ» ..

فهو استنجاز لوعد اللّه ، الذي بلغته الرسل ، وثقة بوعد اللّه الذي لا يخلف الميعاد ، ورجاء في الإعفاء من الخزي يوم القيامة ، يتصل بالرجفة الأولى في هذا الدعاء ، ويدل على شدة الخوف من هذا الخزي ، وشدة تذكره واستحضاره في مطلع الدعاء وفي ختامه. مما يشي بحساسية هذه القلوب ورقتها وشفافيتها وتقواها وحيائها من اللّه.

والدعاء في مجموعه يمثل الاستجابة الصنادقة العميقة ، لإيحاء هذا الكون وإيقاع الحق الكامن فيه ، في القلوب السليمة المفتوحة ..

ولا بد من وقفة أخرى أمام هذا الدعاء ، من جانب الجمال الفني والتناسق في الأداء ..

إن كل سورة من سور القرآن تغلب فيها قافية معينة لآياتها - والقوافي في القرآن غيرها في الشعر ، فهي ليست حرفا متحدا ، ولكنها إيقاع متشابه - مثل: «بَصِيرٌ. حَكِيمٌ. مُبِينٌ. مُرِيبٍ» .. «الْأَلْبابِ ، الْأَبْصارِ.

النَّارَ. قَرارٍ» .. «خَفِيًّا. شَقِيًّا. شَرْقِيًّا . شَيْئًا» .. إلخ.

وتغلب القافية الأولى في مواضع التقرير. والثانية في مواضع الدعاء. والثالثة في مواضع الحكاية.

وسورة آل عمران تغلب فيها القافية الأولى. ولم تبعد عنها إلا في موضعين: أولهما في أوائل السورة وفيه دعاء. والثاني هنا عند هذا الدعاء الجديد ..

وذلك من بدائع التناسق الفني في التعبير القرآني .. فهذا المد يمنح الدعاء رنة رخية ، وعذوبة صوتية.

تناسب جو الدعاء والتوجه والابتهال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت