انغمست الأمة في الوثنية وعبادة الأصنام بأبشع أشكالها. فكان لكل قبيلة أو ناحية أو مدينة ، صنم خاص ، بل كان لكل بيت صنم خصوصي. قال الكلبي: كان لأهل كل دار من مكة صنم في دارهم يعبدونه ، فإذا أراد أحدهم السفر ، كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به ، وإذا قدم من سفره كان أول ما يصنع إذا دخل منزله أن يتمسح به أيضا» «7» . واستهترت العرب في عبادة الأصنام ، فمنهم من اتخذ بيتا ، ومنهم من اتخذ صنما ومن لم يقدر عليه ولا على بناء بيت نصب حجرا أمام الحرم ، وأمام غيره مما استحسن ، ثم طاف به كطوافه بالبيت ، وسموها الأنصاب «8» . وكان في جوف الكعبة - البيت الذي بني لعبادة اللّه وحده - وفي فنائها ثلاثمائة وستون صنما. وتدرجوا من عبادة الأصنام والأوثان إلى عبادة جنس الحجارة. روى البخاري عن أبي رجاء العطاردي ، قال: كنا نعبد الحجر ، فإذا وجدنا حجرا هو خيرا منه ألقيناه وأخذنا الآخر فإذا لم نجد حجرا جمعنا حثوة من تراب ، ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به وقال الكلبي: كان الرجل إذا سافر فنزل منزلا ، أخذ أربعة أحجار ، فنظر إلى أحسنها ، فاتخذه ربا ، وجعل ثلاث أثافيّ لقدره ، وإذا ارتحل تركه.
«وكان للعرب - شأن كل أمة مشركة في كل زمان ومكان - آلهة شتى من الملائكة والجن والكواكب.
فكانوا يعتقدون أن الملائكة بنات اللّه فيتخذونهم شفعاء لهم عند اللّه ، ويعبدونهم ، ويتوسلون بهم عند اللّه.
واتخذوا كذلك معه الجن شركاء للّه ، وآمنوا بقدرتهم وتأثيرهم ، وعبدوهم. قال الكلبي: كانت بنو مليح من خزاعة يعبدون الجن. وقال صاعد: كانت حمير تعد الشمس. وكنانة القمر. وتميم الدبران. ولخم وجذام المشتري. وطي سهيلا. وقيس الشعري العبور. وأسد عطاردا».
ويكفي أن يتصفح الإنسان هذه الصورة البدائية الغليظة من الوثنية ، ليعرف أي رجس كانت تنشره في القلوب والتصورات وفي واقع الحياة! ويدرك النقلة الضخمة التي نقلها الإسلام للقوم ، والطهارة التي أسبغها على تصوراتهم وعلى حياتهم سواء. ومن هذه الأرجاس تلك الأدواء الخلقية والاجتماعية ، التي كانت في الوقت ذاته من مفاخرهم في أشعارهم! ومن مفاخراتهم في أسواقهم! من الخمر إلى القمار إلى الثارات القبلية الصغيرة ، التي تشغل اهتماماتهم ، فلا ترتفع على تلك التصورات المحلية المحدودة:
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (1 / 509)