النفسية والجماعية أثرها الذي أشرنا إليه في مطلع الحديث .. فالانتصار على الشح ، والانتصار على الغيظ ، والانتصار على الخطيئة ، والرجعة إلى اللّه وطلب مغفرته ورضاه .. كلها ضرورية للانتصار على الأعداء في المعركة. وهم إنما كانوا أعداء لأنهم يمثلون الشح والهوى والخطيئة والتبجح! وهم إنما كانوا أعداء لأنهم لا يخضعون ذواتهم وشهواتهم ونظام حياتهم للّه ومنهجه وشريعته. ففي هذا تكون العداوة ، وفي هذا تكون المعركة ، وفي هذا يكون الجهاد.
وليس هنالك أسباب أخرى يعادي فيها المسلم ويعارك ويجاهد. فهو إنما يعادي للّه ، ويعارك للّه ، ويجاهد للّه!
فالصلة وثيقة بين هذه التوجيهات كلها وبين استعراض المعركة في هذا السياق .. كما أن الصلة وثيقة بينها وبين الملابسات الخاصة التي صاحبت هذه المعركة. من مخالفة عن أمر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ومن طمع في الغنيمة نشأت عنه المخالفة. ومن اعتزاز بالذات والهوى نشأ عنه تخلف عبد اللّه ابن أبيّ ومن معه.
ومن ضعف بالذنب نشأ عنه تولي من تولى - كما سيرد في السياق - ومن غبش في التصور نشأ عنه عدم رد الأمور إلى اللّه ، وسؤال بعضهم: «هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْ ءٍ» ؟ وقول بعضهم: «لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا» والقرآن يتناول هذه الملابسات كلها ، واحدة واحدة ، فيجلوها ، ويقرر الحقائق فيها ، ويلمس النفوس لمسات موحية تستجيشها وتحييها .. على هذا النحو الفريد الذي نرى نماذج منه في هذا السياق.
بعد ذلك يبدأ السياق في الفقرة الثالثة من الاستعراض فيلمس أحداث المعركة ذاتها ، ولكنه ما يزال يتوخى تقرير الحقائق الأساسية الأصيلة في التصور الإسلامي ، ويجعل الأحداث مجرد محور ترتكن إليه هذه الحقائق.وفي هذه الفقرة يبدأ بالإشارة إلى سنة اللّه الجارية في المكذبين ، ليقول للمسلمين إن انتصار المشركين في هذه المعركة ليس هو السنة الثابتة ، إنما هو حادث عابر ، وراءه حكمة خاصة .. ثم يدعوهم إلى الصبر والاستعلاء بالإيمان. فإن يكن أصابتهم جراح وآلام فقد أصاب المشركين مثلها في المعركة ذاتها. وإنما هنالك حكمة وراء ما وقع يكشف لهم عنها: حكمة تمييز الصفوف ، وتمحيص القلوب ، واتخاذ الشهداء الذين يموتون دون عقيدتهم ووقف المسلمين أمام الموت وجها لوجه وقد كانوا يتمنونه ، ليزنوا وعودهم وأمانيهم بميزان واقعي! ثم في النهاية محق الكافرين ، بإعداد الجماعة المسلمة ذلك الإعداد المتين .. وإذن فهي الحكمة العليا من وراء الأحداث كلها سواء كانت هي النصر أو هي الهزيمة.