فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 491

إن الناس استفتَوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله:"ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن". قالت: والذي ذكر الله أنه يُتلى في الكتاب: الآية الأولى التي قال فيها: ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ) [1] .

وظاهر من هذه النصوص ، ومن النص القرآني. ما كان عليه الحال في الجاهلية فيما يختص بالفتيات اليتيمات. فقد كانت اليتيمة تلقى من وليها الطمع والغبن: الطمع في مالها ، والغبن في مهرها - إن هو تزوجها - فيأكل مهرها ويأكل مالها. والغبن إن لم يتزوجها كراهية لها لأنها دميمة. ومنعها أن تتزوج حتى لا يشاركه زوجها فيما تحت يده من مالها! كذلك كان الحال في الولدان الصغار والنساء ، إذ كانوا يحرمونهم من الميراث لأنهم لا يملكون القوة التي يدفعون بها عن ميراثهم أو أنهم غير محاربين ، فلا حق لهم في الميراث ، تحت تأثير الشعور القبلي ، الذي يجعل للمحاربين في القبيلة كل شيء. ولا شيء للضعاف! وهذه التقاليد الشائهة البدائية ، هي التي أخذ الإسلام يبدلها ، وينشىء مكانها تقاليد إنسانية راقية لا تعد - كما قلنا - مجرد وثبة ، أو نهضة ، في المجتمع العربي. إنما هي في حقيقتها نشأة أخرى ، وميلاد جديد ، وحقيقة أخرى لهذه الأمة غير حقيقتها الجاهلية!

والمهم الذي يجب أن نسجله: هو أن هذه النشأة الجديدة ، لم تكن تطورًا مسبوقًا بأية خطوات تمهيدية له أو أنه انبثق من واقع مادي تغير فجأة في حياة هذا الشعب!

فالنقلة من إقامة حقوق الإرث والملك على أساس حق المحارب إلى إقامتها على أساس الحق الإنساني ، وإعطاء الطفل واليتيمة والمرأة حقوقهم بصفتهم الإنسانية ، لا بصفتهم محاربين! هذه النقلة لم تنشأ لأن المجتمع قد انتقل إلى أوضاع مستقرة لا قيمة فيها للمحاربين. ومن ثم قضى على الحقوق المكتسبة للمحاربين ، لأنه لم يعد في حاجة إلى تمييزهم! كلا! فقد كان للمحاربين في العهد الجديد قيمتهم كلها وكانت الحاجة إليهم ماسة! ولكن كان هناك ..

الإسلام .. كان هناك هذا الميلاد الجديد للإنسان. الميلاد الذي انبثق من خلال كتاب ومن خلال منهج فأقام مجتمعا جديدا وليدا. على نفس الأرض. وفي ذات الظروف. وبدون حدوث انقلاب لا في الإنتاج وأدواته! ولا في المادة وخواصها!

وإنما مجرد انقلاب في التصور هو الذي انبثق منه الميلاد الجديد.

(1) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة - (9 / 258) (10554) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت