فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 491

ومرة أخرى نجدنا أمام المنهج الفريد ، وهو يواجه واقع النفس البشرية وملابسات الحياة البشرية ، بالواقعية المثالية ، أو المثالية الواقعية ، ويعترف بما هو كامن في تركيبها من ازدواج عجيب فريد: «وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ - وَلَوْ حَرَصْتُمْ - فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ. وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا. وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا» .

إن اللّه الذي فطر النفس البشرية ، يعلم من فطرتها أنها ذات ميول لا تملكها. ومن ثم أعطاها لهذه الميول خطاما. خطاما لينظم حركتها فقط ، لا ليعدمها ويقتلها!

من هذه الميول أن يميل القلب البشري إلى إحدى الزوجات ويؤثرها على الأخريات. فيكون ميله إليها أكثر من الأخرى أو الأخريات. وهذا ميل لا حيلة له فيه ولا يملك محوه أو قتله .. فماذا؟ إن الإسلام لا يحاسبه على أمر لا يملكه ولا يجعل هذا إثما يعاقبه عليه فيدعه موزعا بين ميل لا يملكه وأمر لا يطيقه!

بل إنه يصارح الناس بأنهم لن يستطيعوا أن يعدلوا بين النساء - ولو حرصوا - لأن الأمر خارج عن إرادتهم .. ولكن هنالك ما هو داخل في إرادتهم. هناك العدل في المعاملة. العدل في القسمة. العدل في النفقة. العدل في الحقوق الزوجية كلها ، حتى الابتسامة في الوجه ، والكلمة الطيبة باللسان .. وهذا ما هم مطالبون به. هذا هو الخطام الذي يقود ذلك الميل. لينظمه لا ليقتله! «فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ» ..

فهذا هو المنهي عنه. الميل في المعاملة الظاهرة ، والميل الذي يحرم الأخرى حقوقها فلا تكون زوجة ولا تكون مطلقة .. ومعه الهتاف المؤثر العميق في النفوس المؤمنة والتجاوز عما ليس في طاقة الإنسان.

«وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا» .

ولأن الإسلام يتعامل مع النفس البشرية بجملة ما فيها من مزاج فريد مؤلف من القبضة من الطين والنفخة من روح اللّه. وبجملة ما فيها من استعدادات وطاقات. وبواقعيتها المثالية ، أو مثاليتها الواقعية ، التي تضع قدميها على الأرض ، وترف بروحها إلى السماء ، دون تناقض ودون انفصام.

لأن الإسلام كذلك .. كان نبي الإسلام - صلى اللّه عليه وسلم - هو الصورة الكاملة للإنسانية حين تبلغ أوجها من الكمال فتنمو فيها جميع الخصائص والطاقات نموا متوازنا متكاملا في حدود فطرة الإنسان.

وكان هذا الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وهو يقسم بين نسائه فيما يملك ، ويعدل في هذه القسمة ، لا ينكر أنه يؤثر بعضهن على بعض. وأن هذا خارج عما يملك. فكان يقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك. فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» يعني القلب (أخرجه أبو داود) .. فأما حين تجف القلوب ، فلا تطيق هذه الصلة ولا يبقى في نفوس الزوجين ما تستقيم معه الحياة ، فالتفرق إذن خير. لأن الإسلام لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت