بالإضافة إلى الأحكام الأخرى كالصلاة عند الخوف والصلاة في حالة المرض من قعود أو من استلقاء حسب الإمكان ..
كل هذه الأحكام تكشف عن الحرص البالغ على إقامة الصلاة وتبين إلى أي حد يعتمد المنهج على هذه العبادة لتحقيق أغراضه التربوية في النفس البشرية. إذ يجعل من لقاء اللّه والوقوف بين يديه وسيلة عميقة الأثر ، لا يفرط فيها في أدق الظروف وأحرجها ولا يجعل عقبة من العقبات تحول بين المسلم وبين هذا الوقوف وهذا اللقاء .. لقاء العبد بربه .. وعدم انقطاعه عنه لسبب من الأسباب .. إنها نداوة القلب ، واسترواح الظل ، وبشاشة اللقاء ..
ويعقب على أحكام الطهارة ، وعلى ما سبقها من الأحكام بتذكير الذين آمنوا بنعمة اللّه عليهم بالإيمان ، وبميثاق اللّه معهم على السمع والطاعة ، وهو الميثاق الذي دخلوا به في الإسلام - كما تقدم - كما يذكرهم تقوى اللّه ، وعلمه بما تنطوي عليه الصدور: «وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ، وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ: سَمِعْنا وَأَطَعْنا ، وَاتَّقُوا اللَّهَ ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» ..
وكان المخاطبون بهذا القرآن أول مرة يعرفون - كما قدمنا - قيمة نعمة اللّه عليهم بهذا الدين. إذ كانوا يجدون حقيقتها في كيانهم ، وفي حياتهم ، وفي مجتمعهم ، وفي مكانهم من البشرية كلها من حولهم. ومن ثم كانت الإشارة - مجرد الإشارة - إلى هذه النعمة تكفي ، إذ كانت توجه القلب والنظر إلى حقيقة ضخمة قائمة في حياتهم ملموسة.
كذلك كانت الإشارة إلى ميثاق اللّه الذي واثقهم به على السمع والطاعة ، تستحضر لتوها حقيقة مباشرة يعرفونها. كما كانت تثير في مشاعرهم الاعتزاز حيث تقفهم من اللّه ذي الجلال موقف الطرف الآخر في تعاقد مع اللّه ، وهو أمر هائل جليل في حس المؤمن ، حين يدرك حقيقته هذه ويتملاها ..
ومن ثم يكلهم اللّه في هذا إلى التقوى. إلى إحساس القلب باللّه ، ومراقبته في خطراته الخافية: «وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» ..
والتعبير «بذات الصدور» تعبير مصور معبر موح ، نمر به كثيرا في القرآن الكريم. فيحسن أن ننبه إلى ما فيه من دقة وجمال وإيحاء. وذات الصدور: أي صاحبة الصدور ، الملازمة لها ، اللاصقة بها. وهي كناية عن المشاعر الخافية ، والخواطر الكامنة ، والأسرار الدفينة. التي لها صفة الملازمة للصدور والمصاحبة. وهي على خفائها وكتمانها مكشوفة لعلم اللّه ، المطلع على ذات الصدور ..
ومن الميثاق الذي واثق اللّه به الأمة المسلمة ، القوامة على البشرية بالعدل .. العدل المطلق الذي لا يميل ميزانه مع المودة والشنآن ولا يتأثر بالقرابة أو المصلحة أو الهوى في حال من الأحوال. العدل المنبثق من القيام للّه وحده بمنجاة من سائر المؤثرات .. والشعور برقابة اللّه وعلمه بخفايا الصدور .. ومن ثم فهذا