وحين تحقق «الدين» بمفهومه هذا في حياة الجماعة المسلمة أطلت على البشرية كلها من تلك القمة السامقة والتي ما تزال سامقة على سفوح الجاهلية الحديثة كما كانت سامقة على سفوح الجاهلية العربية وغيرها على السواء .. وحين تحول «الدين» إلى وصايا على المنابر وإلى شعائر في المساجد وتخلى عن نظام الحياة ..
لم يعد لحقيقة الدين وجود في الحياة!
ولا بد من جزاء للمؤمنين من اللّه ، الذي يتعاملون معه وحده يشجع ويقوي على النهوض بتكاليف القوامة وعلى الوفاء بالميثاق. ولا بد أن يختلف مصير الذين كفروا وكذبوا عن مصير الذين آمنوا وعملوا الصالحات عند اللّه: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ. لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ» ..
إنه الجزاء الذي يعوض الخيرين عما يفوتهم من عرض الحياة الدنيا - وهم ينهضون بالتكاليف العليا - والذي تصغر معه تكاليف القوامة على أهواء البشرية وعنادها ولجاجها في هذه الأرض .. ثم هو العدل الإلهي الذي لا يسوي بين جزاء الخيرين وجزاء الأشرار!
ولا بد من تعليق قلوب المؤمنين وأنظارهم بهذا العدل وبذلك الجزاء. لتتعامل مع اللّه متجردة من كل النوازع المعوقة من ملابسات الحياة .. وبعض القلوب يكفيها أن تشعر برضاء اللّه وتتذوق حلاوة هذا الرضى كما تتذوق حلاوة الوفاء بالميثاق .. ولكن المنهج يتعامل مع الناس جميعا. مع الطبيعة البشرية. واللّه يعلم من هذه الطبيعة حاجتها إلى هذا الوعد بالمغفرة والأجر العظيم. وحاجتها كذلك إلى معرفة جزاء الكافرين المكذبين!
إن هذا وذلك يرضي هذه الطبيعة. يطمئنها على مصيرها وجزائها ويشفي غيظها من أفاعيل الشريرين! وبخاصة إذا كانت مأمورة بالعدل مع من تكره من هؤلاء!
بعد أن تلقى منهم ما تلقى من الكيد والإيذاء .. والمنهج الرباني يأخذ الطبيعة البشرية بما يعلمه اللّه من أمرها ويهتف لها بما تتفتح له مشاعرها ، وتستجيب له كينونتها .. ذلك فوق أن المغفرة والأجر العظيم دليل رضى اللّه الكريم وفيهما مذاق الرضى فوق مذاق النعيم.