فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 491

روي أن هذه الآيات نزلت في قوم من اليهود ارتكبوا جرائم - تختلف الروايات في تحديدها - منها الزنا ومنها السرقة .. وهي من جرائم الحدود في التوراة ولكن القوم كانوا قد اصطلحوا على غيرها لأنهم لم يريدوا أن يطبقوها على الشرفاء فيهم في مبدأ الأمر. ثم تهاونوا فيها بالقياس إلى الجميع ، وأحلوا محلها عقوبات أخرى من عقوبات التعازير (كما صنع الذين يزعمون أنهم مسلمون في هذا الزمان!) .. فلما وقعت منهم هذه الجرائم في عهد الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - تآمروا على أن يستفتوه فيها .. فإذا أفتى لهم بالعقوبات التعزيرية المخففة عملوا بها ، وكانت هذه حجة لهم عند اللّه .. فقد أفتاهم بها رسول! .. وإن حكم فيها بمثل ما عندهم في التوراة لم يأخذوا بحكمه .. فدسوا بعضهم يستفتيه .. ومن هنا حكاية قولهم: «إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ ، وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا» ..

وهكذا بلغ منهم العبث ، وبلغ منهم الاستهتار ، وبلغ منهم الالتواء أيضا في التعامل مع اللّه والتعامل مع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - هذا المبلغ .. وهي صورة تمثل أهل كل كتاب حين يطول عليهم الأمد ، فتقسو قلوبهم وتبرد فيها حرارة العقيدة ، وتنطفئ شعلتها ويصبح التفصي من هذه العقيدة وشرائعها وتكاليفها هو الهدف الذي يبحث له عن الوسائل ويبحث له عن «الفتاوى» لعلها تجد مخرجا وحيلة أليس الشأن كذلك اليوم بين الذين يقولون: إنهم مسلمون: «مِنَ الَّذِينَ قالُوا: آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ» !

أليسوا يتلمسون الفتوى للاحتيال على الدين لا لتنفيذ الدين؟ أليسوا يتمسحون بالدين أحيانا لكي يقر لهم أهواءهم ويوقع بالموافقة عليها! فأما إن قال الدين كلمة الحق وحكم الحق فلا حاجة بهم إليه .. «يَقُولُونَ: إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا» ! إنه الحال نفسه. ولعله لهذا كان اللّه - سبحانه - يقص قصة بني إسرائيل بهذا الإسهاب وهذا التفصيل ، لتحذر منها أجيال «المسلمين» وينتبه الواعون منها لمزالق الطريق.

واللّه - سبحانه - يقول لرسوله في شأن هؤلاء المسارعين بالكفر ، وفي شأن هؤلاء المتآمرين المبيتين لهذه الألاعيب: لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر. فهم يسلكون سبيل الفتنة ، وهم واقعون فيها ، وليس لك من الأمر شي ء ، وما أنت بمستطيع أن تدفع عنهم الفتنة وقد سلكوا طريقها ولجوا فيها: «وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» ..

وهؤلاء دنست قلوبهم ، فلم يرد اللّه أن يطهرها ، وأصحابها يلجون في الدنس: «أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ» ..

وسيجزيهم بالخزي في الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة: «لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ ، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ» ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت