فهرس الكتاب
فلا تقف خشيتهم للناس دون تنفيذهم لشريعة اللّه. سواء من الناس أولئك الطغاة الذين يأبون الاستسلام لشريعة اللّه ، ويرفضون الإقرار - من ثم - بتفرد اللّه - سبحانه - بالألوهية. أو أولئك المستغلون الذين تحول شريعة اللّه بينهم وبين الاستغلال وقد مردوا عليه. أو تلك الجموع المضللة أو المنحرفة أو المنحلة التي تستثقل أحكام شريعة اللّه وتشغب عليها .. لا تقف خشيتهم لهؤلاء جميعا ولغيرهم من الناس دون المضي في تحكيم شريعة اللّه في الحياة. فاللّه - وحده - هو الذي يستحق أن يخشوه. والخشية لا تكون إلا للّه ..
كذلك علم اللّه - سبحانه - أن بعض المستحفظين على كتاب اللّه المستشهدين قد تراودهم أطماع الحياة الدنيا وهم يجدون أصحاب السلطان ، وأصحاب المال ، وأصحاب الشهوات ، لا يريدون حكم اللّه فيملقون شهوات هؤلاء جميعا ، طمعا في عرض الحياة الدنيا - كما يقع من رجال الدين المحترفين في كل زمان وفي كل قبيل وكما كان ذلك واقعا في علماء بني إسرائيل.
فناداهم اللّه: «وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا» ..
وذلك لقاء السكوت ، أو لقاء التحريف ، أو لقاء الفتاوى المدخولة! وكل ثمن هو في حقيقته قليل. ولو كان ملك الحياة الدنيا .. فكيف وهو لا يزيد على أن يكون رواتب ووظائف وألقابا ومصالح صغيرة يباع بها الدين ، وتشترى بها جهنم عن يقين؟! إنه ليس أشنع من خيانة المستأمن وليس أبشع من تفريط المستحفظ وليس أخس من تدليس المستشهد.
والذين يحملون عنوان: «رجال الدين» يخونون ويفرطون ويدلسون ، فيسكتون عن العمل لتحكيم ما أنزل اللّه ، ويحرفون الكلم عن مواضعه ، لموافاة أهواء ذوي السلطان على حساب كتاب اللّه .
«وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ» ..
بهذا الحسم الصارم الجازم. وبهذا التعميم الذي تحمله «من» الشرطية وجملة الجواب. بحيث يخرج من حدود الملابسة والزمان والمكان ، وينطلق حكما عاما ، على كل من لم يحكم بما أنزل اللّه ، في أي جيل ، ومن أي قبيل ..
والعلة هي التي أسلفنا .. هي أن الذي لا يحكم بما أنزل اللّه ، إنما يرفض ألوهية اللّه. فالألوهية من خصائصها ومن مقتضاها الحاكمية التشريعية. ومن يحكم بغير ما أنزل اللّه ، يرفض ألوهية اللّه وخصائصها في جانب ، ويدعي لنفسه هو حق الألوهية وخصائصها في جانب آخر .. وماذا يكون الكفر إن لم يكن هو هذا وذاك؟