ولكن الأمر ليس كذلك في التصور الإسلامي ولا في حس المسلم الذي يتذوق الإسلام. ولا يتذوق الإسلام إلا من يأخذه عقيدة ، وحركة بهذه العقيدة ، لإقامة النظام الإسلامي.
إن الأمر في التصور الإسلامي وفي حس المسلم واضح محدد .. الدين هو الإسلام .. وليس هناك دين غيره يعترف به الإسلام .. لأن اللّه - سبحانه - يقول هذا. يقول: «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ» .. ويقول:
«وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ» .. وبعد رسالة محمد - صلى اللّه عليه وسلم - لم يعد هناك دين يرضاه اللّه ويقبله من أحد إلا هذا «الإسلام» .. في صورته التي جاء بها محمد - صلى اللّه عليه وسلم - وما كان يقبل قبل بعثة محمد من النصارى لم يعد الآن يقبل. كما أن ما كان يقبل من اليهود قبل بعثة عيسى عليه السّلام ، لم يعد يقبل منهم بعد بعثته ..
ووجود يهود ونصارى - من أهل الكتاب - بعد بعثة محمد - صلى اللّه عليه وسلم - ليس معناه أن اللّه يقبل منهم ما هم عليه أو يعترف لهم بأنهم على دين إلهي .. لقد كان ذلك قبل بعثة الرسول الأخير .. أما بعد بعثته فلا دين - في التصور الإسلامي وفي حس المسلم - إلا الإسلام .. وهذا ما ينص عليه القرآن نصا غير قابل للتأويل ..
إن الإسلام لا يكرههم على ترك معتقداتهم واعتناق الإسلام .. لأنه «لا إكراه في الدين» ولكن هذا ليس معناه أنه يعترف بما هم عليه «دينا» ويراهم على «دين» ..
ومن ثم فليس هناك جبهة تدين يقف معها الإسلام في وجه الإلحاد! هناك «دين» هو الإسلام .. وهناك «لا دين» هو غير الإسلام .. ثم يكون هذا اللادين .. عقيدة أصلها سماوي ولكنها محرفة ، أو عقيدة أصلها وثني باقية على وثنيتها. أو إلحادا ينكر الأديان .. تختلف فيما بينها كلها. ولكنها تختلف كلها مع الإسلام. ولا حلف بينها وبين الإسلام ولا ولاء ...
والمسلم يتعامل مع أهل الكتاب هؤلاء وهو مطالب بإحسان معاملتهم - كما سبق - ما لم يؤذوه في الدين ويباح له أن يتزوج المحصنات منهن - على خلاف فقهي فيمن تعتقد بألوهية المسيح أو بنوته ، وفيمن تعتقد التثليث أهي كتابية تحل أم مشركة تحرم - وحتى مع الأخذ بمبدأ تحليل النكاح عامة .. فإن حسن المعاملة وجواز النكاح ، ليس معناها الولاء والتناصر في الدين وليس معناها اعتراف المسلم بأن دين أهل الكتاب - بعد بعثة محمد - صلى اللّه عليه وسلم - هو دين يقبله اللّه ويستطيع الإسلام أن يقف معه في جبهة واحدة لمقاومة الإلحاد! إن الإسلام قد جاء ليصحح اعتقادات أهل الكتاب كما جاء ليصحح اعتقادات المشركين والوثنيين سواء.