فهرس الكتاب

الصفحة 292 من 491

إنها مواجهة هائلة ، ومواجهة كذلك فاصلة. ودلالتها على طبيعة هذا الدين غير خافية .. إن هذا الدين يسوي بين الشرك العلني الواضح باتخاذ آلهة أخرى مع اللّه وبين الشرك الآخر الذي يتمثل في مزاولة حق الحاكمية والتشريع للناس بما لم يأذن به اللّه - دون اعتبار لما يدعونه هم من أن ما يشرعونه هو شريعة اللّه! - كما أنه يصم الذين يرتكبون هذه الفعلة بأنهم يكذبون بآيات اللّه ، ولا يؤمنون بالآخرة ، وهم بربهم يعدلون ..

أي يجعلون له أندادا تعدله .. وهو ذات التعبير الذي جاء في أول آية في السورة وصفا للذين كفروا: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ، وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ» ..

هذا حكم اللّه على الذين يغتصبون حق الحاكمية ويزاولونه بالتشريع للناس - دون اعتبار لدعواهم أن ما يشرعونه هو من شريعة اللّه! - وليس بعد حكم اللّه رأي لأحد في هذه القضية الخطيرة.

فإذا أردنا أن نفهم لماذا يقضي اللّه - سبحانه - بهذا الحكم؟ ولما ذا يعدهم مكذبين بآياته غير مؤمنين بالآخرة ، مشركين يعدلون بربهم غيره .. فإن لنا أن نحاول الفهم. فتدبر حكمة اللّه في شرعه وحكمه أمر مطلوب من المسلم ..

إن اللّه قد حكم على المشرعين للناس من عند أنفسهم - مهما قالوا إنه من شرع اللّه - بأنهم يكذبون بآياته.

لأن آياته - إن كان المراد بها آياته الكونية - كلها تشهد بأنه الخالق الرازق الواحد .. والخالق الرازق هو المالك. فيجب أن يكون وحده المتصرف الحاكم .. فمن لم يفرده - سبحانه - بالحاكمية فقد كذب بآياته هذه .. وإن كان المقصود آياته القرآنية ، فالنصوص فيها حاسمة وصريحة وواضحة في وجوب إفراده - سبحانه - بالحاكمية في حياة البشر الواقعية ، واتخاذ شريعته وحدها قانونا ، وتعبيد الناس له وحده بالشرع النافذ والحكم القاهر ..

كذلك حكم عليهم - سبحانه - بأنهم لا يؤمنون بالآخرة .. فالذي يؤمن بالآخرة ، ويوقن أنه ملاق ربه يوم القيامة ، لا يمكن أن يعتدي على ألوهية اللّه ، ويدعي لنفسه حقه الذي يتفرد به. وهو حق الحاكمية المطلقة في حياة البشر. ممثلة هذه الحاكمية في قضائه وقدره ، وفي شريعته وحكمه ..

ثم حكم عليهم في النهاية بأنهم بربهم يعدلون .. أي أنه حكم عليهم بالشرك الذي وصف به الكافرين ..

ذلك أنهم لو كانوا موحدين ما شاركوا اللّه - سبحانه - في حق الحاكمية الذي تفرد به. أو ما قبلوا من عبد أن يدعيه ويزاوله وهم راضون! هذه - فيما يبدولنا - هي علة حكم اللّه على من يزاولون حق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت