فهرس الكتاب

الصفحة 309 من 491

وقد غشى على أفكار الباحثين العصريين - المهزومين - ذلك التصور الغربي لطبيعة «الدين» .. وأنه مجرد «عقيدة» في الضمير لا شأن لها بالأنظمة الواقعية للحياة .. ومن ثم يكون الجهاد للدين ، جهادا لفرض العقيدة على الضمير!

ولكن الأمر ليس كذلك في الإسلام. فالإسلام منهج اللّه للحياة البشرية. وهو منهج يقوم على إفراد اللّه وحده بالألوهية - متمثلة في الحاكمية - وينظم الحياة الواقعية بكل تفصيلاتها اليومية! فالجهاد له جهاد لتقرير المنهج وإقامة النظام. أما العقيدة فأمرها موكول إلى حرية الاقتناع ، في ظل النظام العام ، بعد رفع جميع المؤثرات .. ومن ثم يختلف الأمر من أساسه ، وتصبح له صورة جديدة كاملة.

وحيثما وجد التجمع الإسلامي ، الذي يتمثل فيه المنهج الإلهي ، فإن اللّه يمنحه حق الحركة والانطلاق لتسلم السلطان وتقرير النظام. مع ترك مسألة العقيدة الوجدانية لحرية الوجدان .. فإذا كف اللّه أيدي الجماعة المسلمة فترة عن الجهاد ، فهذه مسألة خطة لا مسألة مبدأ. مسألة مقتضيات حركة لا مسألة مقررات عقيدة. وعلى هذا الأساس الواضح يمكن أن نفهم النصوص القرآنية المتعددة ، في المراحل التاريخية المتجددة. ولا نخلط بين دلالالتها المرحلية ، والدلالة العامة لخط الحركة الإسلامية الثابت الطويل.

وبعد ، فإن هناك بقية في بيان طبيعة «الجهاد في الإسلام» و «طبيعة هذا الدين» يمدنا بها المبحث المجمل القيم الذي أمدنا به المسلم العظيم السيد أبو الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية في باكستان ، بعنوان «الجهاد في سبيل اللّه» .. وسنحتاج أن نقتبس منه فقرات طويلة لا غنى عنها لقارىء يريد رؤية واضحة دقيقة لهذا الموضوع الخطير العميق في بناء الحركة الإسلامية:

«لقد جرت عادة الإفرنج أن يعبروا عن كلمة «الجهاد» «بالحرب المقدسة» إذا أرادوا ترجمتها بلغاتهم. وقد فسروها تفسيرا منكرا. وتفننوا فيها ، وألبسوها ثوبا فضفاضا من المعاني المموهة الملفقة.

وقد بلغ الأمر في ذلك أن أصبحت كلمة الجهاد عندهم عبارة عن شراسة الطبع والخلق والهمجية وسفك الدماء. وقد كان من لباقتهم ، وسحر بيانهم ، وتشويههم لوجوه الحقائق الناصعة ، أنه كلما قرع سمع الناس صوت هذه الكلمة .. الجهاد .. تمثلت أمام أعينهم صورة مواكب من الهمج المحتشدة ، مصلتة سيوفها ، متقدة صدورها بنار التعصب والغضب ، متطايرا من عيونها شرار الفتك والنهب ، عالية أصواتها بهتاف:

«اللّه أكبر» ، زاحفة إلى الأمام ، ما إن رأت كافرا حتى أمسكت بخناقه ، وجعلته بين أمرين: إما أن يقول كلمة: «لا إله إلا اللّه» فينجو بنفسه ، وإما أن يضرب عنقه ، فتشخب أو داجه دما! «ولقد رسم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت