في هذه المصارف: «فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ، وَلِذِي الْقُرْبى ، وَالْيَتامى ، وَالْمَساكِينِ ، وَابْنِ السَّبِيلِ» .. بما يواجه الحاجة الواقعة عند وجود ذلك المغنم ... وفي هذا كفاية ..
أما التوجيه الدائم بعد ذلك فهو ما تضمنه شطر الآية الأخير: «إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ ، وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ..
إن للإيمان أمارات تدل عليه واللّه - سبحانه - يعلق الاعتراف لأهل بدر - وهم أهل بدر - بأنهم آمنوا باللّه ، وبما أنزله على عبده يوم الفرقان يوم التقى الجمعان .. يعلق الاعتراف لأهل بدر هؤلاء بالإيمان ، على قبولهم لما شرع اللّه لهم في أمر الغنائم في صدر الآية فيجعل هذا شرطا لاعتبارهم عنده قد آمنوا باللّه وبما أنزله على عبده من القرآن كما يجعله مقتضى لإعلانهم الإيمان لا بد أن يتحقق ليتحقق مدلول هذا الإعلان.
وهكذا نجد مدلول الإيمان - في القرآن - واضحا جازما لا تميع فيه ، ولا تفصيص ولا تأويل مما استحدثته التطويلات الفقهية فيما بعد ، عند ما وجدت الفرق والمذاهب والتأويلات ، ودخل الناس في الجدل والفروض المنطقية الذهنية ، كما دخل الناس - بسبب الفرق المذهبية والسياسية - في الاتهامات ودفع الاتهامات وصار النبز بالكفر ، ودفع هذا النبز ، لا يقومان على الأصول الواضحة البسيطة لهذا الدين إنما يقومان على الغرض والهوى ومكايدة المنافسين والمخالفين! عندئذ وجد من ينبز مخالفيه بالكفر لأمور فرعية ووجد من يدفع هذا الاتهام بالتشدد في التحرج والتغليظ على من ينبز غيره بهذه التهمة .. وهذا وذلك غلو سببه تلك الملابسات التاريخية .. أما دين اللّه فواضح جازم لا تميع فيه ولا تفصيص ولا غلو .. «ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل» .. ولا بد لقيامه من قبول ما شرع اللّه وتحقيقه في واقع الحياة .. والكفر: رفض ما شرع اللّه ، والحكم بغير ما أنزل اللّه ، والتحاكم إلى غير شرع اللّه .. في الصغير وفي الكبير سواء .. أحكام صريحة جازمة بسيطة واضحة .. وكل ما وراءها فهو من صنع تلك الخلافات والتأويلات ..