فهرس الكتاب

الصفحة 336 من 491

: «فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ» إنما هو لأهل العهد الذين ظاهروا على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ونقضوا عهدهم قبل انقضاء مدته. فأما الذين لم ينقضوا عهدهم ولم يظاهروا عليه ، فإن اللّه جل ثناؤه أمر نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مدته بقوله: «إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ» .

ومما رواه الطبري كذلك - بإسناده - عن مجاهد قوله: «بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» قال: أهل العهد: مدلج والعرب الذين عاهدهم ، ومن كان له عهد. قال: أقبل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - من تبوك حين فرغ منها ، وأراد الحج. ثم قال: «إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة ، فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك» . فأرسل أبا بكر وعليا رحمة اللّه عليهما ، فطافا بالناس بذي المجاز ، وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها ، وبالموسم كله ، وآذنوا أصحاب العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر. فهي الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات: عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر يخلون من شهر ربيع الآخر. ثم لا عهد لهم. وآذن الناس كلهم بالقتال إلا أن يؤمنوا «1» . فآمن الناس أجمعون حينئذ ، ولم يسح أحد».

وهذه الأسباب القريبة المباشرة لا شك كان لها وزنها في اتخاذ الخطوة الأخيرة الحاسمة. ولكنها بدورها ليست إلا حلقات في السلسلة الطويلة الناشئة ابتداء من الحتمية الجذرية الكبيرة: وهي تعارض المنهجين أصلا ، وعدم إمكان التعايش بينهما إلا فترات اضطرارية تنتهي حتما ..

وقد أراد المرحوم الشيخ رشيد رضا أن يلم بحلقات السلسلة منذ بدء الدعوة - وإن يكن لم يحاول أن يلم بأصل الاختلاف الجذري الدائم الذي ينشئ هذه السلسلة بحلقاتها والذي ينتهي بما انتهت إليه حتما - فقال في تفسير المنار [1] :

"مِنَ الْمَشْهُورِ الْقَطْعِيِّ الَّذِي لَا خِلَافَ فِيهِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّدًا رَسُولَهُ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ بِالْإِسْلَامِ الَّذِي أَكْمَلَ بِهِ الدِّينَ ، وَجَعَلَ آيَتَهُ الْكُبْرَى هَذَا الْقُرْآنَ الْمُعْجِزَ لِلْبَشَرِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ، ذَكَرْنَا كُلِّيَّاتِهَا فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ [2: 23 ص159 - 191 ج 1 ط الْهَيْئَةِ] وَأَقَامَ بِنَاءَ الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ عَلَى أَسَاسِ الْبَرَاهِينِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْعِلْمِيَّةِ الْمُقْنِعَةِ وَالْمُلْزِمَةِ ، وَمَنَعَ الْإِكْرَاهَ فِيهِ ، وَالْحَمْلَ عَلَيْهِ بِالْقُوَّةِ كَمَا بَيَّنَاهُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ [2: 256"

(1) تفسير المنار - (10 / 134)

لا بد أن ننبه هنا إلى منهج مدرسة الأستاذ الشيخ محمد عبده ، المتأثرة بفلسفة غريبة عن الإسلام وهي فلسفة «ديكارت» مما جعلها تركز تركيزا شديدا على «العقل» وتعطيه أكثر من مجاله في مسائل العقيدة. فلا بد أن نضيف إلى البراهين العقلية والعلمية البراهين الفطرية البديهية كذلك في هذا الدين ومجاوبتها لكل الكينونة البشرية بما فيها العقل والذهن. السيد رحمه الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت