المطلق في أن ينطلق في الأرض لتحرير البشرية من العبودية للعباد ، وردها إلى اللّه وحده ، حيثما كان ذلك ممكنا له ، بغض النظر عما إذا كان هناك اعتداء على أهله داخل حدودهم الإقليمية أم لم يكن ..
فهو يستبعد هذا المبدأ ابتداء. وهو المبدأ الذي يقوم عليه الجهاد في الإسلام. وبدونه يفقد دين اللّه حقه في أن يزيل العقبات المادية من طريق الدعوة ، ويفقد كذلك جديته وواقعيته في مواجهة الواقع البشري بوسائل مكافئة له في مراحل متعددة بوسائل متجددة ، ويصبح عليه أن يواجه القوى المادية بالدعوة العقيدية! وهو هزال لا يرضاه اللّه لدينه في هذه الأرض !
وواضح كذلك أن المؤلف لا يلقي باله إلى طبيعة المنهج الحركي في الإسلام ، ومواجهته للواقع بوسائل مكافئة. فهو يحيل الأحكام النهائية الأخيرة على النصوص المرحلية قبلها. دون التفات إلى أن النصوص السابقة كانت تواجه حالات واقعة غير الحالة التي جاءت النصوص الأخيرة تواجهها .. وحقيقة إن هذه الأحكام ليست (منسوخة) بمعنى أنه لا يجوز الأخذ بها مهما تكن الأحوال - بعد نزول الأحكام الأخيرة - فهي باقية لمواجهة الحالات التي تكون من نوع الحالات التي واجهتها. ولكنها لا تقيد المسلمين إذا واجهتهم حالات كالتي واجهتها النصوص الأخيرة ، وكانوا قادرين على تنفيذها ..
.. إن الأمر في حاجة إلى سعة ومرونة وإدراك لطبيعة هذا الدين وطبيعة منهجه الحركي كما أسلفنا ..
وبعد ، فإننا نعود إلى العبارة التي افتتحنا بها الفقرة السابقة:
«والذي يراجع أحداث السيرة النبوية ووقائعها ، ليرى من خلالها الواقع التاريخي للمنهج الحركي الإسلامي ، ويراجع كذلك طبيعة هذا المنهج في ذاته ومراحله وأهدافه .. يرى بوضوح أن هذه الخطوة الحاسمة في العلاقات بين المعسكر الإسلامي في الجزيرة وسائر معسكرات المشركين - وكذلك بينه وبين معسكرات أهل الكتاب التي تقررت في هذه السورة - كان قد جاء موعدها ، وتمهدت لها الأرض ، وتهيأت لها الأحوال ، وأصبحت هي الخطوة الطبيعية في أوانها المحتوم» .
كانت التجربة تلو التجربة قد كشفت عن القانون الحتمي الذي يحكم العلاقات بين المجتمع المسلم الذي يفرد اللّه سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة والحاكمية والتشريع والمجتمعات الجاهلية التي تجعل هذا كله لغير اللّه ، أو تجعل فيه شركاء للّه .. هذا القانون الحتمي هو قانون الصراع الذي يعبر عنه قول اللّه سبحانه: «وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا» (الحج: 40) والذي يقول عنه سبحانه كذلك: «وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ» .. (البقرة: 251) وقد ظهرت آثار هذا القانون الحتمي في ظاهرتين بارزتين:
إحداهما: انطلاق الإسلام خطوة بعد خطوة ، وغزوة بعد غزوة ، ومرحلة بعد مرحلة لنشر منهج اللّه في الأرض حوله وإبلاغ كلمة اللّه إلى أرض بعد أرض وإلى قبيلة بعد قبيلة - في طريقه إلى إبلاغها إلى الناس