إنه مائة ألف من الروم ومعه من عملائهم في الشام من القبائل العربية النصرانية مائة ألف أخرى وكان جيش المسلمين لا يتجاوز ثلاثة آلاف مقاتل. وكان ذلك في جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة.
ثم كانت غزوة تبوك التي يدور عليها معظم هذه السورة (و سيجيء تفصيل القول فيها في موضعه إن شاء اللّه تعالى) . ثم كان جيش أسامة بن زيد الذي أعده رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قبيل وفاته ثم أنفذه الخليفة الراشد أبو بكر - رضي اللّه عنه - إلى أطراف الشام لمواجهة تلك التجمعات الرومانية التي تستهدف القضاء على هذا الدين! ثم اشتعل مرجل الحقد الصليبي منذ موقعة اليرموك الظافرة ، التي أعقبها انطلاق الإسلام لتحرير المستعمرات الإمبراطورية الرومانية في الشام ومصر وشمال إفريقية وجزر البحر الأبيض. ثم بناء القاعدة الإسلامية الوطيدة في الأندلس في النهاية.
إن «الحروب الصليبية» المعروفة بهذا الاسم في التاريخ ، لم تكن هي وحدها التي شنتها الكنيسة على الإسلام ..
لقد كانت هذه الحروب مبكرة قبل هذا الموعد بكثير .. لقد بدأت في الحقيقة منذ ذلك التاريخ البعيد ..
منذ أن نسي الرومان عداواتهم مع الفرس وأخذ النصارى يعينون الفرس ضد الإسلام في جنوب الجزيرة.
ثم بعد ذلك في «مؤتة» . ثم فيما تلا موقعة اليرموك الظافرة .. ثم تجلت ضراوتها ووحشيتها في الأندلس عند ما زحفت الصليبية على القاعدة الإسلامية في أوربة ، وارتكبت من الوحشية في تعذيب ملايين المسلمين وقتلهم هناك ما لم يعرف التاريخ له نظيرا من قبل .. وكذلك تجلت في الحروب الصليبية في الشرق بمثل هذه البشاعة التي لا تتحرج ولا تتذمم ولا تراعي في المسلمين إلّا ولا ذمة.
ومما جاء في كتاب «حضارة العرب» لجوستاف لوبون - وهو فرنسي مسيحي -:
«كان أول ما بدأ به ريكاردوس الإنجليزي أنه قتل أمام معسكر المسلمين ، ثلاثة آلاف أسير سلموا أنفسهم إليه ، بعد أن قطع على نفسه العهد بحقن دمائهم. ثم أطلق لنفسه العنان باقتراف القتل والسلب ، مما أثار صلاح الدين الأيوبي النبيل ، الذي رحم نصارى القدس ، فلم يمسهم بأذى ، والذي أمد فيليب وقلب الأسد بالمرطبات والأدوية والأزواد ، أثناء مرضهما » .
كذلك كتب كاتب مسيحي آخر (اسمه يورجا) يقول: «ابتدأ الصليبيون سيرهم على بيت المقدس بأسوأ طالع ، فكان فريق من الحجاج يسفكون الدماء في القصور التي استولوا عليها. وقد أسرفوا في القسوة فكانوا يبقرون البطون ، ويبحثون عن الدنانير في الأمعاء! أما صلاح الدين ، فلما استرد بيت المقدس بذل الأمان للصليبيين ، ووفى لهم بجميع عهوده ، وجاد المسلمون على أعدائهم ووطأوهم مهاد رأفتهم ، حتى أن الملك العادل ، شقيق السلطان ، أطلق ألف رقيق من الأسرى ، ومنّ على جميع الأرمن ، وأذن للبطريرك بحمل الصليب وزينة الكنيسة ، وأبيح للأميرات والملكة بزيارة أزواجهن» .