لقد شاء اللّه تعالى أن يجعل دفاعه عن الذين آمنوا يتم عن طريقهم هم أنفسهم كي يتم نضجهم هم في أثناء المعركة. فالبنية الإنسانية لا تستيقظ كل الطاقات المذخورة فيها كما تستيقظ وهي تواجه الخطر وهي تدفع وتدافع ، وهي تستجمع كل قوتها لتواجه القوة المهاجمة .. عندئذ تتحفز كل خلية بكل ما أودع فيها من استعداد لتؤدي دورها ولتتساند مع الخلايا الأخرى في العمليات المشتركة ولتؤتي أقصى ما تملكه ، وتبذل آخر ما تنطوي عليه وتصل إلى أكمل ما هو مقدور لها وما هي مهيأة له من الكمال.
والأمة التي تقوم على دعوة اللّه في حاجة إلى استيقاظ كل خلاياها ، واحتشاد كل قواها ، وتوفز كل استعدادها ، وتجمع كل طاقاتها ، كي يتم نموها ، ويكمل نضجها ، وتتهيأ بذلك لحمل الأمانة الضخمة والقيام عليها.
والنصر السريع الذي لا يكلف عناء ، والذي يتنزل هينا لينا على القاعدين المستريحين ، يعطل تلك الطاقات عن الظهور ، لأنه لا يحفزها ولا يدعوها.
وذلك فوق أن النصر السريع الهين اللين سهل فقدانه وضياعه. أولا لأنه رخيص الثمن لم تبذل فيه تضحيات عزيزة. وثانيا لأن الذين نالوه لم تدرب قواهم على الاحتفاظ به ولم تشحذ طاقاتهم وتحشد لكسبه. فهي لا تتحفز ولا تحتشد للدفاع عنه.
وهناك التربية الوجدانية والدربة العملية تلك التي تنشأ من النصر والهزيمة ، والكر والفر ، والقوة والضعف والتقدم والتقهقر. ومن المشاعر المصاحبة لها .. من الأمل والألم. ومن الفرح والغم ، ومن الاطمئنان والقلق.
ومن الشعور بالضعف والشعور بالقوة .. ومعها التجمع والفناء في العقيدة والجماعة والتنسيق بين الاتجاهات في ثنايا المعركة وقبلها وبعدها وكشف نقط الضعف ونقط القوة ، وتدبير الأمور في جميع الحالات .. وكلها ضرورية للأمة التي تحمل الدعوة وتقوم عليها وعلى الناس.
من أجل هذا كله ، ومن أجل غيره مما يعلمه اللّه .. جعل اللّه دفاعه عن الذين آمنوا يتم عن طريقهم هم أنفسهم ولم يجعله لقية تهبط عليهم من السماء بلا عناء [1] .
(1) - والإسلام مع هذا لا يعد القتال غاية لذاته ، ولا يأذن به إلا لغاية أكبر من المهادنة والموادعة .. إن السلام هو غاية الإسلام كما تقرر آيات أخرى كثيرة في القرآن. ولكنه السلام الذي لا اعتداء فيه ولا ظلم ولا بغي ولا عدوان. أما حيث يقع البغي والعدوان على أي مقوم من مقومات الإنسانية الفاضلة كحرية العقيدة وحرية العبادة ، والعدل في الحكم ، والعدل في الجزاء ، والعدل في توزيع المغانم والمغارم والحقوق والواجبات ، واستقامة السلوك الفردي والجماعي على حدود اللّه .. أما حيث يقع البغي على أي مقوم من هذه المقومات في أية صورة من الصور ، سواء وقع من فرد على فرد ، أو من فرد على جماعة ، أو من جماعة على فرد أو جماعة ، أو من دولة ، على دولة.
فالإسلام لا يرضى حينئذ بسلام يقوم على هذا العدوان. فليس السلام في الإسلام هو المهادنة والموادعة إنما هو تحقق الخير والعدل على النهج الذي رسمه اللّه للعباد .. (يراجع بتوسع كتاب السلام العالمي والإسلام) .