وحقيقة القيام على هذا الوجود بكلياته وجزئياته في كل وقت وفي كل حالة .. حقيقة هائلة حين يحاول الإنسان تصورها ، وحين يسبح بخياله المحدود مع ما لا يحصيه عد من الذرات والخلايا والخلائق والأشياء والأحداث في هذا الكون الهائل ويتصور - بقدر ما يملك - قيام اللّه - سبحانه - عليها وتعلقها في قيامها باللّه وتدبيره .. إنه أمر .. أمر لا يتصوره الإدراك الإنساني. وما يتصوره منه - وهو يسير - هائل يدير الرؤوس.
ويحير العقول ، وتطمئن به القلوب ..
«لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ» ..فهي الملكية الشاملة. كما أنها هي الملكية المطلقة .. الملكية التي لا يرد عليها قيد ولا شرط ولا فوت ولا شركة. وهي مفهوم من مفاهيم الألوهية الواحدة. فاللّه الواحد هو الحي الواحد ، القيوم الواحد ، المالك الواحد وهي نفي للشركة في صورتها التي ترد على أذهان الناس ومداركهم. كما أنها ذات أثر في إنشاء معنى الملكية وحقيقتها في دنيا الناس. فإذا تمحضت الملكية الحقيقية للّه ، لم يكن للناس ملكية ابتداء لشيء. إنما كان لهم استخلاف من المالك الواحد الأصلي الذي يملك كل شيء. ومن ثم وجب أن يخضعوا في خلافتهم لشروط المالك المستخلف في هذه الملكية. وشروط المالك المستخلف قد بينها لهم في شريعته فليس لهم أن يخرجوا عنها وإلا بطلت ملكيتهم الناشئة عن عهد الاستخلاف ، ووقعت تصرفاتهم باطلة ، ووجب رد هذه التصرفات من المؤمنين باللّه في الأرض .. وهكذا نجد أثر التصور الإسلامي في التشريع الإسلامي ، وفي واقع الحياة العملية التي تقوم عليه. وحين يقول اللّه في القرآن الكريم: «لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ» .. فإنه لا يقرر مجرد حقيقة تصورية اعتقادية إنما يضع قاعدة من قواعد الدستور للحياة البشرية ونوع الارتباطات التي تقوم فيها كذلك.
على أن مجرد استقرار هذه الحقيقة في الضمير .. مجرد شعور الإنسان بحقيقة المالك - سبحانه - لما في السماوات وما في الأرض .. مجرد تصور الإنسان لخلو يده هو من ملكية أي شيء مما يقال: إنه يملكه ورد هذه الملكية لصاحبها الذي له ما في السماوات وما في الأرض .. مجرد إحساسه بأن ما في يده عارية لأمد محدود ، ثم يستردها صاحبها الذي أعارها له في الأجل المرسوم .. مجرد استحضار هذه الحقائق والمشاعر كفيل وحده بأن يطامن من حدة الشره والطمع ، وحدة الشح والحرص ، وحدة التكالب المسعور. وكفيل كذلك بأن يسكب في النفس القناعة والرضى بما يحصل من الرزق والسماحة والجود بالموجود وأن يفيض على القلب الطمأنينة والقرار في الوجدان والحرمان سواء فلا تذهب النفس حسرات على فائت أو ضائع ولا يتحرق القلب سعارا على المرموق المطلوب!
«مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ؟» ..وهذه صفة أخرى من صفات اللّه توضح مقام الألوهية ومقام العبودية .. فالعبيد جميعا يقفون في حضرة الألوهية موقف العبودية لا يتعدونه ولا يتجاوزونه ، يقفون في