وفيهم وفيهم ممن ينكرون المعروف ، ويعرفون المنكر. ولا تفلح الأمة ، ولا تفلح البشرية ، إلا أن يسود الخير ، وإلا أن يكون المعروف معروفا ، والمنكر منكرا .. وهذا ما يقتضي سلطة للخير وللمعروف تأمر وتنهى ..وتطاع ..
ومن ثم فلا بد من جماعة تتلاقى على هاتين الركيزتين: الإيمان باللّه والأخوة في اللّه. لتقوم على هذا الأمر العسير الشاق بقوة الإيمان والتقوى ثم بقوة الحب والألفة ، وكلتاهما ضرورة من ضرورات هذا الدور الذي ناطه اللّه بالجماعة المسلمة ، وكلفها به هذا التكليف. وجعل القيام به شريطة الفلاح. فقال عن الذين ينهضون به: «وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» ..
إن قيام هذه الجماعة ضرورة من ضرورات المنهج الإلهي ذاته. فهذه الجماعة هي الوسط الذي يتنفس فيه هذا المنهج ويتحقق في صورته الواقعية. هو الوسط الخير المتكافل المتعاون على دعوة الخير. المعروف فيه هو الخير والفضيلة والحق والعدل. والمنكر فيه هو الشر والرذيلة والباطل والظلم .. عمل الخير فيه أيسر من عمل الشر. والفضيلة فيه أقل تكاليف من الرذيلة. والحق فيه أقوى من الباطل. والعدل فيه أنفع من الظلم ..فاعل الخير فيه يجد على الخير أعوانا. وصانع الشر فيه يجد مقاومة وخذلانا .. ومن هنا قيمة هذا التجمع ..
إنه البيئة التي ينمو فيها الخير والحق بلا كبير جهد ، لأن كل ما حوله وكل من حوله يعاونه. والتي لا ينمو فيها الشر والباطل إلا بعسر ومشقة ، لأن كل ما حوله يعارضه ويقاومه.
والتصور الإسلامي عن الوجود والحياة والقيم والأعمال والأحداث والأشياء والأشخاص .. يختلف في هذا كله عن التصورات الجاهلية اختلافا جوهريا أصيلا. فلا بد إذن من وسط خاص يعيش فيه هذا التصور بكل قيمه الخاصة. لا بد له من وسط غير الوسط الجاهلي ، ومن بيئة غير البيئة الجاهلية.
هذا الوسط الخاص يعيش بالتصور الإسلامي ويعيش له فيحيا فيه هذا التصور ، ويتنفس أنفاسه الطبيعية في طلاقة وحرية ، وينمو نموه الذاتي بلا عوائق من داخله تؤخر هذا النمو أو تقاومه. وحين توجد هذه العوائق تقابلها الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وحين توجد القوة الغاشمة التي تصد عن سبيل اللّه تجد من يدافعها دون منهج اللّه في الحياة.
هذا الوسط يتمثل في الجماعة المسلمة القائمة على ركيزتي الإيمان والأخوة. الإيمان باللّه كي يتوحد تصورها للوجود والحياة والقيم والأعمال والأحداث والأشياء والأشخاص ، وترجع إلى ميزان واحد تقوّم به كل ما يعرض لها في الحياة ، وتتحاكم إلى شريعة واحدة من عند اللّه ، وتتجه بولائها كله إلى القيادة القائمة على تحقيق منهج اللّه في الأرض .. والأخوة في اللّه. كي يقوم كيانها على الحب والتكافل