فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 491

، ويطغى في ذلك القلب على العقيدة .. العقيدة التي لا تحتمل شركة في قلب صاحبها ، ولا تطيق لها فيه شريكا! فإما أن يخلص لها وحدها ، وإما أن تجانبه هي وتجتويه! «إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا ، وَاللَّهُ وَلِيُّهُما ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» ..

وهاتان الطائفتان - كما ورد في الصحيح - من حديث سفيان بن عيينة - هما بنو حارثة وبنو سلمة. أثرت فيهما حركة عبد اللّه بن أبيّ ، وما أحدثته من رجة في الصف المسلم ، من أول خطوة في المعركة. فكادتا تفشلان وتضعفان. لولا أن أدركتهما ولاية اللّه وتثبيته ، كما أخبر هذا النص القرآني: «وَاللَّهُ وَلِيُّهُما» ..

قال عمر - رضي اللّه عنه - سمعت جابر بن عبد اللّه يقول: فينا نزلت: «إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا» .. قال: نحن الطائفتان .. بنو حارثة وبنو سلمة .. وما نحب (أو وما يسرني) أنها لم تنزل ، لقوله تعالى: «وَاللَّهُ وَلِيُّهُما» .. (رواه البخاري ومسلم) ..

وهكذا يكشف اللّه المخبوء في مكنونات الضمائر والذي لم يعلمه إلا أهله ، حين حاك في صدورهم لحظة ثم وقاهم اللّه إياه ، وصرفه عنهم ، وأيدهم بولايته ، فمضوا في الصف .. يكشفه لاستعادة أحداث المعركة ، واستحياء وقائعها ومشاهدها. ثم .. لتصوير خلجات النفوس ، وإشعار أهلها حضور اللّه معهم ، وعلمه بمكنونات ضمائرهم - كما قال لهم: «وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» - لتوكيد هذه الحقيقة وتعميقها في حسهم. ثم لتعريفهم كيف كانت النجاة وإشعارهم عون اللّه وولايته ورعايته حين يدركهم الضعف ، ويدب فيهم الفشل ، ليعرفوا أين يتوجهون حين يستشعرون شيئا من هذا وأين يلتجئون. ومن ثم يوجههم هذا الوجه الذي لا وجه غيره للمؤمنين: «وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» ..

على وجه القصر والحصر .. على اللّه وحده فليتوكل المؤمنون. فليس لهم - إن كانوا مؤمنين - إلا هذا السند المتين.

وهكذا نجد في الآيتين الأوليين ، اللتين يستحضر بهما القرآن مشهد المعركة وجوها ، هذين التوجيهين الكبيرين الأساسيين في التصور الإسلامي ، وفي التربية الإسلامية: «وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» ..

«وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» ..نجدهما في أوانهما المناسب ، وفي جوهما المناسب حيث يلقيان كل إيقاعاتهما ، وكل إيحاءاتهما ، في الموعد المناسب وقد تهيأت القلوب للتلقي والاستجابة والانطباع .. ويتبين - من هذين النصين التمهيديين - كيف يتولى القرآن استحياء القلوب وتوجيهها وتربيتها بالتعقيب على الأحداث ، وهي ساخنة! ويتبين الفرق بين رواية القرآن للأحداث وتوجيهها ، وبين سائر المصادر التي قد تروي الأحداث بتفصيل أكثر ولكنها لا تستهدف القلب البشري ، والحياة البشرية ، بالإحياء والاستجاشة ، وبالتربية والتوجيه. كما يستهدفها القرآن الكريم ، بمنهجه القويم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت