التجربة المريرة التي تعرضت لها ، لو أنه قضى برأيه في خطة المعركة ، مستندا إلى رؤياه الصادقة وفيها ما يشير إلى أن المدينة درع حصينة ولم يستشر أصحابه ، أو لم يأخذ بالرأي الذي انجلت المشورة عن رجحانه في تقدير الجماعة! أو لو أنه رجع عن الرأي عند ما سنحت له فرصة الرجوع ، وقد خرج من بيته ، فرأى أصحاب هذا الرأي نادمين أن يكونوا قد استكرهوه على غير ما يريد! ولكنه - وهو يقدر النتائج كلها - أنفذ الشورى. وأنفذ ما استقرت عليه ، ذلك كي تجابه الجماعة المسلمة نتائج التبعة الجماعية ، وتتعلم كيف تحتمل تبعة الرأي ، وتبعة العمل. لأن هذا في تقديره - صلى اللّه عليه وسلم - وفي تقدير المنهج الإسلامي الذي ينفذه ، أهم من اتقاء الخسائر الجسيمة ، ومن تجنيب الجماعة تلك التجربة المريرة. فتجنيب الجماعة التجربة معناه حرمانها الخبرة ، وحرمانها المعرفة ، وحرمانها التربية! ثم يجيء الأمر الإلهي له بالشورى - بعد المعركة كذلك - تثبيتا للمبدأ في مواجهة نتائجه المريرة. فيكون هذا أقوى وأعمق في إقراره من ناحية ، وفي إيضاح قواعد المنهج من ناحية ..
إن الإسلام لا يؤجل مزاولة المبدأ حتى تستعد الأمة لمزاولته! فهو يعلم أنها لن تستعد أبدا لمزاولته إلا إذا زاولته فعلا ، وأن حرمانها من مزاولة مبادئ حياتها الأساسية - كمبدأ الشورى - شر من النتائج المريرة التي تتعرض لها في بدء استعماله ، وأن الأخطاء في مزاولته - مهما بلغت من الجسامة - لا تبرر إلغاءه ، بل لا تبرر وقفه فترة من الوقت ، لإنه إلغاء أو وقف لنموها الذاتي ، ونمو خبرتها بالحياة والتكاليف. بل هو إلغاء لوجودها كأمة إطلاقا! وهذا هو الإيحاء المستفاد من قوله تعالى - بعد كل ما كان من نتائج الشورى في المعركة: «فَاعْفُ عَنْهُمْ ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ، وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» .
كما أن المزاولة العملية للمبادئ النظرية تتجلى في تصرف الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - عند ما رفض أن يعود إلى الشورى بعد العزم على الرأي المعين ، واعتباره هذا ترددا وأرجحة. وذلك لصيانة مبدأ الشورى ذاته ، من أن يصبح وسيلة للتأرجح الدائم ، والشلل الحركي. فقال قولته التربوية المأثورة: «ما كان لنبي أن يضع لأمته حتى يحكم اللّه له» .. ثم جاء التوجيه الإلهي الأخير: «فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ» .. فتطابق - في المنهج - التوجيه والتنفيذ ..
وهناك حقيقة أخيرة نتعلمها من التعقيب القرآني على مواقف الجماعة المسلمة التي صاحبت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - والتي تمثل أكرم رجال هذه الأمة على اللّه .. وهي حقيقة نافعة لنا في طريقنا إلى استئناف حياة إسلامية بعون اللّه ..
إن منهج اللّه ثابت ، وقيمه وموازينه ثابتة ، والبشر يبعدون أو يقربون من هذا المنهج ، ويخطئون ويصيبون في قواعد التصور وقواعد السلوك. ولكن ليس شيء من أخطائهم محسوبا على المنهج ، ولا مغيرا لقيمه وموازينه الثابتة.